فإن أراد صاحب الكلام صلاح شأن العامة ومصلحة حال الخاصة، وكان ممن يعم ولا يخص، وينصح ولا يغش، وكان مشغوفا بأهل الجماعة، شنقا لأهل الاختلاف والفرقة، جمعت له الحظوظ من أقطارها، وسبقت إليه القلوب بأزمتها، وجمعت النفوس المختلفة الأهواء على محبته، وجبلت على تصويب إرادته، ومن أعاره الله من معرفته نصيبا، وأفرغ عليه من محبته ذنوبا، حنت إليه المعاني، وسلس له نظام اللفظ، وكان قد أغنى المستمع من كد التكلف، وأراح قارئ الكتاب من علاج التفهم، ولم أجد في خطب السلف الطيب، والأعراب الأقحاح، ألفاظا مسخوطة، ولا معاني مدخولة، ولا طبعا رديا، ولا قولا مستكرها، وأكثر ما نجد ذلك في خطب المولدين البلديين المتكلفين ومن أهل الصنعة المتأدبين، سواء كان ذلك منهم على جهة الارتجال والاقتضاب، أو كان من نتاج التخير والتفكر. ا.ه. (4) مكانة الخطابة وعيوب الخطباء
تقدم لك قانون البلاغة والخطابة الذي وضعه عمرو بن بحر الجاحظ في صفحة، وتدارسه يغني طالب الخطابة عن كتاب، ورب مقالة خير من سفر. ولقد عرفت العرب مع ما كانت عليه من الغريزة الفائقة في البيان صعوبة الخطابة، وأنها لا يوفق إليها إلا أفراد، ولذلك كانت تكرم الخطيب أكثر من إكرام الشاعر، وقد ضربت المثل بالخطيب في قولها: «الخطب مشوار كثير العثار»، والمشوار هو المكان الذي تعرض فيه الدواب، وقالوا: «عقل المرء من فوق لسانه»، وكانت تتعاير بالفهاهة وقلة الإجادة في البيان، وتقول: نعوذ بالله من الإهمال، ومن كلال الغرب في المقال، ومن خطيب دائم السعال. قال بشر بن معمر في مثل ذلك:
ومن الكبائر مقول متعتع
جم التنحنح متعب ميهود
وقال شاعرهم يعيب بعض خطبائهم:
مليء ببهر والتفات وسعلة
ومسحة عتنون وفتل الأصابع
وضربوا المثل بالبلاغة بسحبان وائل، فقالوا: فلان أخطب من سحبان. كما ضربوا المثل بالعي في الكلام بباقل، فقالوا: فلان أعيى من باقل، وقد جمع الجاحظ في البيان والتبيين كثيرا من أخبار البلاغة، والحصر، والخطباء، والبلغاء ومما قال:
وليس حفظك الله مضرة سلاطة اللسان عند المنازعة، وسقطات الخطل يوم إطالة الخطبة، بأعظم مما يحدث عن العي من اختلال الحجة، وعن الحصر من فوق درك الحاجة، والناس لا يعيرون الخرس، ولا يلومون من استولى على بيانه العجز وهم يذمون الحصر، ويؤنبون العي، فإن تكلفا مع ذلك مقامات الخطباء، وتعاطيا مناظرة البلغاء، تضاعف عليهما الذم، وترادف عليهما التأنيب، ومماتنة (مماطلة) العي الحصر البليغ المصقع، في سبيل مماتنة المنقطع المفحم للشاعر المفلق، وأحدهما ألوم من صاحبه، والألسنة إليه أسرع، وليس اللجلاج (المتردد في كلامه)، والتمتام (من تسبق كلمته إلى حنكه الأعلى، والتمتمة رد الكلام إلى التاء والميم)، والألثغ (الذي يحول لسانه من السين إلى الثاء أو من الراء إلى الغين)، والفأفاء (مردد الفاء)، وذو الحبسة (الذي لا يسمع قوله)، والحكلة (الذي لا يسمع صوته)، والرتة (العجمة)، وذو اللقف (عي بطيء الكلام إذا تكلم ملأ لسانه فمه)، والعجلة في سبيل الحصر في خطبته، والعي في مناضلته خصومه، كما أن سبيل المفحم عند الشعراء والبكيء عند الخطباء خلاف سبيل المسهب الثرثار والخطل المكثار.
ثم اعلم أبقاك الله أن صاحب التشديق (تكلف البلاغة) والتقعير (التكلم بأقصى الفم) والتقعيب (تقصير الكلام) من الخطباء والبلغاء، مع سماجة التكلف وشنعة التزيد ، أعذر من عي يتكلف الخطابة، ومن حصر يتعرض لأهل الاعتياد والدربة، ومدار اللائمة ومستقر المذمة، حيث رأيت بلاغة يخالطها التكلف وبيانا يمازجه التزيد: ألا إن تعاطي الحصر المنقوص مقام الدرب التام، أقبح من تعاطي البليغ الخطيب، ومن تشادق الأعراب القح، وانتحال المعروف ببعض الغزارة في المعاني والألفاظ، وفي التحبير والارتجال، إنه البحر الذي لا ينزح، والغمر لا يسير أيسر من انتحال الحصر المنخوب (الجبان) أنه في مسلاخ (صفة) التام الموفر والجامع المحكك، وإن كان رسول الله