وبعد، فإن للحافظة شأنا عظيما في ترقية الفكر الإنساني، وبدونها يكون كل شيء عقيما لا ثمرة له؛ لأنها واسطة لبقاء الأفكار التي صدرت، وأحسن ذريعة للحصول على أفكار جديدة، ولم يعرف القانون الذي تسير عليه، كما أن جوهرها لم يدرك الباحثون حقيقته، وغاية ما عرف من أمرها أنها تقوى بالانتباه والتمرن كما تقدم، وإن الكسل ابن الترف، والكسل يجرح الحافظة إن لم نقل يقتلها.
ذكر التاريخ كثيرين من أرباب الحافظة النادرة، فمنهم في القديم ميتريداتس الكبير - ملك شمالي غربي آسيا الصغرى (123-63ق.م) - فقد كان يحكم على اثنين وعشرين أمة مختلفة، ويخطب أمام كل منها بلغتها، ويدعو كل واحد من جنده باسمه، وذكروا مثل ذلك عن قورش ملك الفرس، وتيمو ستقلس، وسيبيون الآسياوي، والإمبراطور أدريان، ويقال: إن مزية الحافظة هيأت لأوتون الروماني تولي الملك، وتعلم تيمو ستقلس اللغة الفارسية في سنة.
وكان ليبس اللغوي الأديب البلجيكي (1606) يحفظ تاريخ تأسيت المؤرخ اللاتيني بألفاظه حرفا بحرف، وقد قال: إنه يرضى أن يقف جلاد وبيده سيف على رأسه وهو يتلو هذا التاريخ، فإذا أخل بحرف واحد يضرب عنقه.
وكان لرينودي بون حافظة سعيدة، يذكر جميع الأبيات اللاتينية واليونانية التي قرأها في صباه، ويتلو صفحات برمتها من ديوان هو ميروس وإن كان مضى عليه أربعون سنة وهو لم ينظر فيه نظرة واحدة، وكان هودج دونو الفقيه المشهور في القرن السادس يستظهر القوانين المعروفة في عصره بالحرف الواحد، وحفظ يوسف سكاليجه الأديب (1609) الإلياذة والأوذيسية في واحد وعشرين يوما. ومن ألطف ما يروى في باب الحافظة أن أحد الفلاحين في فرنسا جاء إلى باريز يقصد صاحبا قديما له كان استلف منه خمسة فرنكات منذ خمس عشرة سنة، وطلب إليه أن ينقده ما له قبله، فتركه صاحبه وعاد فدفع إليه ليرة واحدة وخمسة فرنكات ، وقال له: هذا يا صاح فقد كنت نلت وأنا في المدرسة ليرة جائزة على حافظتي، فرأيتك أحد مني ذاكرة، وإنك أحق بهذه الجائزة مني. •••
ليس في الدنيا خير محض، فقد اخترعت الطباعة منذ نحو خمسمائة سنة، فعم نفعها أهل الأرض كافة، ولكن ما عتمت أن نتج عنها بعض شر، إذ أصبح الناس يعتمدون على الكتب في جماع علومهم وآدابهم، بعد أن كان جل اعتمادهم على محفوظاتهم ومخطوطاتهم، والغالب أن الاعتماد على الحافظة والحفاظ كان في الإسلام على أشده قبل تدوين الكتب، وتأليف الرسائل والمصنفات، ولما بلغ بعض الأئمة تدوين الكتب أسفوا، وعدوه من دواعي تقهقر العلم وانقطاع سند الرواية، وما زالت الحال ترتقي بعض الشيء في بعض الأعوام، ثم يزهد في الحفظ حتى انتشرت الطباعة في بلادنا بانتشار الصناعات الفكرية، فأمسى الناس يستندون إلى السطور بدل الصدور، والقراطيس والأسفار بدل الحفظ والاستظهار؛ فضعفت بهذا الضعف الحافظة وإن قويت المفكرة، وقلت الرواية وإن لم تقل الدراية.
انقطع سند الحفظ إلا في بعض ما لا يسع الأمة جهله من القرآن وعلومه، فأخذ بعضهم يفتاتون على من عرفوا قديما بسعة محفوظهم ويزيفون، ولكن بدون برهان ما رواه طائفة الراوين من أنباء الأذكياء الحافظين، ولو صح الاعتماد على إلقاء الكلام على عواهنه في هذا الباب، إذن لسقط التاريخ وارتفعت الثقة من كل خبر حتى من مجيء الرسل، وحروب الملوك، ودثور الشعوب والمدن وما إليها، وما أشبه من يكذب بادئ الرأي بلا دليل قاطع بمن يؤثر الهدم على البناء، وشتان بين المخرب والمعمر، والمتلف والمخلف، والمفسد والمصلح. •••
ما عنيت أمة بتدوين دينها وحفظه ولغتها وضوابطها، عناية المسلمين بدينهم ولغتهم، فكان من أمر حفظة الكتاب العزيز ما اشتهر في كل مصر وعصر، ولا يزال في البلاد أثر من آثار تلك العناية، أما الأحاديث فقد عنوا بها قديما وجمعوا أشتاتها، وبينوا صالحها من موضوعها، وضعيفها من قويها، مما يدركه كل من كان له إلمام بالمراجعة ونظر في كتب القوم. لم يكن العلم في القرون الأولى للإسلام بالإرث ، ولا بالمظاهر، ولا بالوساطات والشفاعات، بل كان بالاستحقاق وكد القرائح، يسير على قوانين بقيود وروابط؛ ولذلك لم يكن ينال لقب حافظ من لم يحفظ ألوفا من الأحاديث بأسانيدها، فقد كانوا يطلقون اسم المسند على من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به، أو ليس له إلا مجرد رواية، ويطلقون اسم المحدث على من كان أرفع منه، والعالم على من يعلم المتن والإسناد جميعا، والفقيه على من يعرف المتن ولا يعرف الإسناد، والحافظ على من يعرف الإسناد ولا يعرف المتن، والراوي على من يعرف المتن ولا يعرف الإسناد، وكان السلف يطلقون المحدث والحافظ بمعنى. والمحدث من عرف الأسانيد والعلل وأسماء الرجال والعالي والنازل، وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون، وسمع الكتب الستة، ومسند أحمد بن حنبل، وسنن البيهقي، ومعجم الطبراني، وضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثة، هذا أقل درجاته، فإذا سمع ما ذكر وكتب الطباق، ودار على الشيوخ، وتكلم في العلل والوفيات والمسانيد، كان في أول درجات المحدثين، وكان السلف يستمعون فيقرءون، فيرحلون، فيفسرون ويحفظون، فيعملون قال بعضهم: