وقال فوليه: لنشوء الشعوب على ما أبانه الدروينيون طريقان: الجماعة والانتخاب الطبيعي، فالشعب في الحالة الأولى خاضع لتأثيرات متشابهة من المحيط والإقليم، وفي الحالة الثانية يعيش فيه بعض أفراد فقط، يكون نظامهم الخاص عونا لهم على التمثل والاحتذاء، فيعيشون ويتركون لهم أنسالا، وهكذا يتحول المجتمع باطراح بعض الأسرات وبعض العناصر الخاصة، ويعمل الانتخاب الطبيعي على كل سرعة أكثر من المحيط والإقليم، ولكن يهلك في سبيله كثير من الخلق، فلا يتوهم متوهم أن شعبا ينتقل بمجموعه من الشباب إلى سن الرشد ثم إلى الشيخوخة، بل إن الشعب يرتقي بواسطة الانتخاب الطبيعي وتحكيم الصفات التي تحمي الأفراد، ومتى ظهر الهرم والسقوط تصبح أحسن مقوماته، وقد داهمتها عناصر أصغر منها ونزلت منازلها.
قال: وعوامل الانتخاب الطبيعي التي تجري بين الشعوب المختلفة هي الحرب والاستعمار، ونمو السكان، والمنافسة في التفوق الاقتصادي والسياسي والعلمي.
أما عوامل الانتخاب الطبيعي التي تفعل في نفس الأمة فهي الحرب والخدمة العسكرية، وتنقل الأفراد في ربوع الوطن الواحد، ونحو سكان المدن وعقوبة المجرمين ومعاونة الفقراء، والمحاويج وتشريد المسيئين للدين أو لغيره واضطهادهم، وانتشار الشفاعات السياسية، كأن لا يحمي صاحب الشأن غير جماعته وجملة حاشيته، والنفور السياسي والفردية والشرائع والعادات والأفكار الاجتماعية والدينية بشأن الزواج، واجتماع الجنسيين الذكر والأنثى وإرادة النهوض، هذه أهم العوامل التي تنمي أمة أو تقرضها، وتحسن سيرها أو تسيئه.
وبعد، فإن الناظر في ماضي الأمة العربية وحاضرها يدهش للفروق الكثيرة المحسوسة، وعندما يشاهد جراثيم النهضة وعوامل الحياة تنشر وتدب في جسمها اليوم، يعتقد بأن الحاضر سيكون على مثال الغابر أو أجمل منه، وعلى طريق نافع، والأمل معقود في هذا الشأن على المعلم والمعلمة، فقد قيل: لولا المربى ما عرفت ربي.
لا جرم أن الغيور على قوم يفادي بكل نفيس؛ ليحمل إليهم الخير، والكامل من سعى إلى تكميل غيره وإن كان ناقصا، والجاهل في ذمة العالم له عليه حق التعليم والاشتراك في النعمة.
أنتم أطباء أرواح، والأرواح تفضل الأشباح، فهل عهد طبيب لا يعالج حتى عدوه بما يصلحه وينفعه في صحته دع صديقه وأخاه وابنه وابنته، بأيديكم إصلاح هذه النفوس الضعيفة المنحطة في معارفها وتربيتها وترقية مستوى البيوت، وثقوا أن فتى واحدا وفتاة واحدة إذا تعلم وتهذب يدخل على أسرة كبيرة النظام، وفي الجملة يلقنها الشعور بالحاجة إلى التعلم؛ أي إنه يسوق آله إلى أول مراتب الكمال، وكل هذا العمل الجليل هو عمل المعلم والمعلمة لا محالة.
وربما كان واجب المعلمة في هذا الشأن أعظم من واجب المعلم؛ لأن مجموع النساء عندنا في الغاية من الانحطاط، ولا عبرة بالقليلات المتعلمات منهن وأكثر ما تعلمن، حتى الآن القشور، ولم ينفذن فيه إلى اللباب على ما يجب، وأي وطني لا يبكي لجهل المرأة المسلمة علة العلل في انحطاط المجتمع الإسلامي، ومن منا ينكر تأثير المرأة في كل نهضة، وهذه المرأة المصرية والمرأة التركية قد أتتا في الحوادث الأخيرة ما دل على أن القوم في القاهرة والآستانة أخذوا بحظ وافر من العناية بالمرأة، وما أحرانا في الشام أن نحتذي مثالهم، وهذا قريب الحصول إذا قام المعلم والمعلمة بواجبهما حق القيام والسلام.
| أعداء الإصلاح
الطرق شتى وطرق الحق مفردة
والسالكون طريق الحق أفراد
لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم
فهم على مهل يمشون قصاد
والناس في غفلة عما يراد بهم
فجلهم عن سبيل الحق رقاد
ما خلا عصر من عصور الإسلام من أعداء لكل جديد، ومن جامدين ينكرون كل ما لا يألفون؛ فقد لقي المعتزلة والفلاسفة والمتكلمون والنظار من أعداء العقل كل شدة في القرون الراقية، وكان عقل الملوك هو الذي يحول على الأغلب بين الجامدين، وبين ما يشتهون من الاعتداء على القائمين بتأييد سنن العقل، والناصرين بأقوالهم وأفعالهم مذاهب السنة والنقل. ومن نظر نظرة مجردة عن الغرض في سيرة المناهضين للمصلحين على اختلاف الأعصار، يجدهم جروا على غير ما يعتقدون وطلبوا بمقاومة المصلحين إرضاء العامة ونيل الحظوة لديهم، واستتباع الجاهلين من الملوك والسلاطين، وقليل جدا من كان الإخلاص رائدهم في أعمالهم ومآتيهم.