ولقد استعملت إسبانيا أقصى الشدة في قصاص من خالف دينها الذي تعتقد به، ثم أخذت تختار ممن تعدهم مؤمنين أناسا هم من أذكيائها، وتقضي عليهم بالتبتل والترهب، فلم يولد لهم، واندثرت أنسالهم وذراريهم، وما من زمن جاء على إسبانيا كان فيه السعد والرغد، والحياة والنماء على حصة موفورة أكثر من أيام الرومان ومن غيرها على عهد الحضارة العربية في القرون الوسطى، فكان إذ ذاك في إسبانيا أربعون مليونا من النفوس أرباب صنائع وأهل عمل، وفي تلك الأيام قامت فيها المدن الكبرى الجميلة التي لم نبرح نعجب بحسن هندستها وندهش بخرائبها، وعلى ذاك العهد كانت زراعتها ناجحة، وبفضل هندسة العرب كان الماء يجري إلى كل مكان في فلوات إسبانيا وقفارها.
ثم نشبت حروب شارلكان التي جن بها، وأهلك من الإسبانيين كل قوى الشكيمة في سبيلها، وكذلك ما تذرعت به إسبانيا من فتوحاتها في أميركا، وهي فتوحات فقد منها المحاربون الأشداء أصحاب العزائم والإرادات القوية، ثم أن طرد اليهود من إسبانيا (سنة 1492) وطرد العرب أجمع (سنة 1609-1610) قد حرم إسبانيا من شعب عامل نشيط، وفي أساطير الشعب الإسباني أن إسبانيا طلبت إلى الخالق منذ البدء سماء جميلة فنالتها، وطلبت بحرا جميلا فرزقته، وأنمارا طيبة ونساء حسانا ففازت بهما، ولما طلبت حكومة صالحة رد قولها؛ لأنها إذا تم لها ما تريد تصبح جنة أرضية لا محالة. قلنا: وهكذا كان شأن الشعب العربي، تفرق في جنوبي أوروبا وشمالي أفريقيا وغيرها، وجاءت عليه سبعة قرون، وهو السائد في العالم بسياسته وعلمه وصناعاته وآثاره، فكان قوله الفصل، وسياسته هي الرشيدة، فلما أخذ بعض ملوكه يحاربون العقل ويعادون الفلسفة، بل يقتلون أهلها، وجمدوا بأن أوصدوا باب الاجتهاد في كل شيء، وزهدوا في الصنائع النفيسة مدعين أنها مما يحظره الشرع، مع أن الشرع مرن يليق لكل عصر ومصر، تسربت إليهم الخرافات فأنشئوا يعتقدون بالقضاء والقدر على خلاف ما كان يعتقده أهل الصدر الأول، فقل فيهم أرباب البصيرة وضعفت فيهم الأسر الزكية، ثم إن الحروب والفتن الأهلية والخارجية تنازعتهم قرونا قد هلك فيها أناس من أهل الطبقة النبيلة فيهم، ومنهم من لم يعقب، والغني الذي خلف أولادا فطروا على الترف والرفاهية، فأسرفوا في أموالهم وقواهم في الموبقات، فدثروا ودثرت أنسالهم. ومما عاق مجتمعنا في ميدان الترقي تسلط رجال الدين على جمهور الشعب، وعلى أكثر الحكومات زمنا طويلا، فساقوها إلى دركات التأخر بحسب أهوائهم، وضعف مداركهم، وعلمهم الناقص ، ومن رجال الدين والقضاء من ليس لهم من العلم إلا العمائم، ومن الأخلاق إلا اختراع الطرف السافلة؛ لأخذ الأموال بالباطل، وما برحت الحكومات التي تسلطت على العرب تقرب عن قصد الجاهل من أهل تلك الطبقة على العالم، فيعبث الجاهل بالمقدسات، ويستحل المحرمات عن علم وعن غير علم، حتى جاء زمن على الأمة كانت فيه جاهلة متعصبة، فقيرة ذليلة، متسفلة في أخلاقها وعاداتها.
ومن عيوب الحكومات التي استولت علينا وكان أثرها ظاهرا في الأخلاق، اعتماد الناس على الشفاعات والمصانعات والرشوات، حتى كان الملك نفسه إذا لم يهد إليه عامله هدية يريدها يعزله أو يقتله، فكانت الأمة من أرقى رجل يحكم في أرواحها إلى أدنى الطبقات فيها بين راش ومرتش، وسارق ومسروق؛ فضعفت ملكة الشمم، وعزة النفس، والمفاداة والأمل، وحل مكانها الذل والكسل واليأس، ثم إن تلك الحكومات المشئومة لم تنظم شئونها، ولم يكن لها تسلسل في أفكارها، فما كانت تقرره وتعتمد عليه من القوانين زمن الحاكم الفلاني، يأتي خلفه فينقضه من أساسه ويبتدع غيره؛ ولذلك لم يقم لها عمل يذكر من أعمال العمران؛ لأن حكامها يحكمون بأذواقهم، فهم أبدا ما بين مبرم وناقض يعبث الخلف بما تعب فيه السلف.