وطول مقام المرء في الحي مخلق
لديباجتيه فاغترب تتجدد
والأمثلة كثيرة في هذا الباب من القديم والحديث، فليس للوافد ما للقاعد من الخمول والاتكال، ويكفي أن في لندرا لهذا العهد، وهي مهد الصناعات والارتقاء زهاء مائتي ألف رجل من رجال الألمان، استولوا على أعمالها المالية، واستأثروا بها دون ابن البلاد المتعلم المنور، الذي لا يقل عنه في مواهبه، هذا في عاصمة إنكلترا، فما الحال بمصر وأكثر الوافدين إليها هم من الشعوب القوية، ومن أهل البلاد الباردة التي تبعث النشاط في قلوب أبنائها وأجسامهم وعقولهم، فيتخذون عدتهم استعدادهم، وكدهم رأس مالهم، وعتادهم وذخرهم قصدهم واقتصادهم، على حين قد أتت على الوطني أزمان من الفوضى ضعفت بها قواه، فأصبح لا يقوى على العمل إلا إذا عوده زمنا ولقنه بالتعليم والتربية، وقد فجأته الثروة والحرية مفاجأة بهرته وحيرته، ثم إن ابن البلاد في الغالب لا يسف إلى المكاسب التي يتنازل إليها الغريب، فالأول يدل بأرومته أو يعتز بأمته، والثاني يذل في سد حاجته ونيل بغيته.
ولما رأت الحكومة المصرية على عهد الوزارة الرياضية أن الوطني يكاد يفنى في الدخيل سنت لائحة صعبت فيها على النازل في مصر أسباب الحصول على حقوق الوطني، إلا بعد مقامه خمس عشرة سنة، وإشعاره الحكومة بعزمه على تغيير جنسيته قبل حلول الوقت المعين بخمس سنين، فكانت هذه اللائحة غريبة في بابها، منعت بعض الطراء على القطر من ولوج باب الاستخدام في دواوين الحكومة، وحظرت عليهم تعاطي الأعمال الإدارية والسياسية، إلا أنها صرفت وجهتهم إلى اتخاذ الأعمال التجارية والزراعية والمالية والعلمية الحرة، فأفلحوا أكثر مما لو كانوا حصروا كدهم في الوظائف الاتكالية، ولم تحق عليهم كلمة «مصر للمصريين»، ومن هنا نشأ بغض كثير من المصريين للغرباء، كان السبب في ذلك أولا منافسة هؤلاء لأبناء البلاد في احتياز الوظائف، وساعد عليها ما ألفته بعض الجرائد المسموعة الكلمة من عبارات التفرقة، وهناك أسباب أخرى قواها أرباب الأهواء والغايات، فانتقلت بالتقليد إلى العامة، ومن نحا منحاهم من الخاصة.
وليست الشكوى التي يشكوها بعض الوطنيين من الوافدين في محلها كلها؛ لأن من اغتنى بكده أو بطرق غير شريفة، فإنما غنمه له وغرمه عليه، ولو تسنى لابن البلاد أن يعمل عمله ما تأخر، ويا ليت خاصة هذه البلاد يسعون إلى نزع هذه الأوهام من عقول العامة، حتى لا يبغضوا غيرهم بسبب وبلا سبب، ويمتزج بعضهم مع بعض لتحيل بوتقة مصر ذاك الدخيل إلى المعدن الذي تريد أن يكونوا كلهم عليه، فقد ثبت أن هذه البوتقة المصرية أحالت إليها فيما مضى التركي والألباني والجركسي والكردي والحجازي واليماني والعراقي والشامي والمغربي والسوداني والرومي والفارسي، فأتى منهم بعد مقامهم قليلا في هذا الوادي مصريون يغارون على مصلحة مصر، وكثير منهم نفعوها وخدموها بعقولهم، وأيديهم أكثر من خدمة أبنائها لها تحت اسم مصريين، وما كانت قط بقعة من الأرض معلومة الحدود والمساحة وقفا على جنس خاص من البشر، لا ينازعها فيه منازع، تسرح وتمرح فيها ما شاءت، فالأرض أرض الله، والناس عباد الله، وما أحلى بيت البحتري في هذا المعنى:
ولا تقل أمم شتى ولا فرق
فالأرض من تربة والناس من رجل
وكل من نظر في نهوض الأمم لا يعتم أن يرى أن كل أمة ربيت على كره غيرها وتجافت عن الاختلاط به وحسن الانتفاع منه تجني من الخسارة أكثر من الربح.
ولقد كانت بغداد من أكثر أمثلة التسامح في البلاد الإسلامية، رفعت مقام الغريب، وأحسنت الاستفادة منه، فكان يعد بغداديا كل من دخل بغداد، تساوى في ذلك عجميها وديلميها وعربيها وتركيها، ونسطوريها وروميها ومجوسيها ومسلمها، فجمع العدل من شملهم، وآخت الراحة بينهم، وعد سواء في النسبة إليها من نزلها اليوم ومن نزلها منذ قرن، وقد أعان على تكوين هذا المزيج انتقاء الجنسية في الإسلام ورفق المسلمين بأهل ذمتهم، ولولا ذلك ما قامت تلك الحضارة التي نسبت للمسلمين العرب مع أن أثرهم فيها كأثر غيرهم من الأجناس والأديان، ولكن العمل مشترك وهو منسوب لصاحب البيت، كالجنود يشقون في الحرب، ثم ينسب النصر لقائدهم.