يحب صاحب المزاج الدموي من الموسيقى ما أفرح وجاز على السمع، وكان طبيعيا في الوضع، ويفضل السوداوي من الموسيقى الشديد القاسي العالي، ولا يحب البلغمي شيئا من أنواع الموسيقى، أما أهل الدعة والسكون والعلماء فلا يجيدون الشعر ولا يحسنون صنعة الغناء، على أن في هذا القول نظرا؛ لأن القول بأن المزاج الفلاني لا يقبل النغم الفلاني هو ناشئ لا من المزاج فقط، بل من الوراثة والمحيط والتربية.
قال الذي أخذنا عنه هذه الأفكار، ونقلناها إلى لغتنا:
ولقد عرفت علماء لا يرتاحون للموسيقى، ورأيت من لا يفضلون شيئا عليها، وشهدت من يتوفرون عليها ويعتدلون في سماعها.
وضع الطبيب المنوه به ست قواعد لاستعمال الموسيقى في شفاء الأمراض: أولها: أنه كلما كانت الموسيقى طبيعية وأعربت عن اللغة الطبيعية في الفكر تؤثر في النفوس كثيرا، ولا سيما في نفوس من لم يتعلموا التعليم الكافي، ثانيها: لما كان لكل بلاد أنغامها الخاصة بها، فإن الموسيقى تؤثر في الروح كلما قربت من هذه الأنغام، ثالثها: ينبغي أن تكون الموسيقى متناسبة مع درجة تأثير الموضوع، رابعها: ينبغي أن يحدث تأثير الموسيقى ببطء، فيبدأ مع السوداويين باستعمال ألحان يتدرج فيها من الخفيف إلى القوي، ويستعمل من الألحان الشديد أمام أصحاب النفوس الغضبية، خامسها: اختيار الآلات المستعملة للغاية التي تطلب، فصاحب المزاج السوداوي يرتاح لسماع الطبل والبوق ذي الأنبوبتين
Trombon
وكذلك المزمار والعود يناسبان مزاجه، سادسها: تطرب الموسيقى الطبقات العالية أكثر مما تؤثر في الطبقات النازلة.
ومن رأي هذا الطبيب أن الموسيقى تشفي صاحب السويداء، كما تزول بها الكآبة والحزن وتبعد الخوف. ولقد أجمع الفلاسفة على أن شيئين إذا عادلا ثالثا يكونان متعادلين، فإذا كانت الموسيقى نافعة في إزالة الكدر والسويداء، فالكدر والسويداء هما في الحقيقة شيء واحد، إن أبقراط حدد السويداء بأنها الكدر والحزن، وهنا أورد صاحب المقالة حوادث من التاريخ في أوروبا - ولا سيما في فرنسا - تدل على ما نفع من الأنغام في مداواة بعض الأسقام، ولا سيما الجنون والاختلال وداء النقطة.
ثم قال: إن الإسلام انتفع من تأثير الموسيقى لتحريض أشياع الحسين الشهيد على الجذب والتهيج؛ وذلك بقرع الطبول المتواتر على إيقاع متساوق سريع، فيردد الشيعة على نغم الطنبور ألحانا مقفاة، حتى ينتهي الحضور بأن لا يعودوا يتأثرون للضرب ولا للجرح، وكذلك الحال في دراويش الهند، فإنهم يستعملون كلمة واحدة، ويكثرون من ترديدها، فتؤدي بهم إلى الجذب مصحوبا بقلة التأثر.
وبعد أن أفاض في إيراد حوادث القدماء وأخبار عنايتهم بالموسيقى في شفاء بعض الأمراض، قال: إن مراد الرابع (1623) أثرت فيه الموسيقى، فعقد النية على أن يبقي على إخوته الذين كان ينوي إهراق دمهم، وأن فرنسيس الأول بعث إلى سليمان الثاني بجوق من الموسيقى، فلاحظ هذا أن شراسة خلقه لطفت بسماع ألحانهم، فأسف من جراء ذلك كثيرا، ولم يلبث أن طرد للحال جميع الموسيقيين من حضرته. وجملة القول: إن الموسيقى تؤثر في الدورة الدموية في الإنسان والحيوان، ويزيد بها حفظ الدم وينقص، وتتبع هذه التقلبات تأثير تهييج الأعصاب السمعية.
وإن آلات الطرب والصفير ليظهر فعلها بتحسن في تشنج القلب خاصة، وتغيير الدم الناتج من تأثير الموسيقى يناسب تحول التنفس، وإن كان يتجلى ذلك مستقلا عن تحول التنفس، يزيد الستركنين في تأثير التهييج السمعي في الدورة الدموية، والكلورال على العكس يضعفه، والألكحول والأفيون يضعفان أيضا تأثير التهييج السمعي في الدورة الدموية، وتغيير الدورة الدموية تابع لارتفاع الصوت وشدته، بل لارتفاع الجرس ونزوله، ولتغيير الدورة الدموية دخل كبير في ذاتية الحيوان والإنسان، ولا سيما في جنسية الإنسان وتابعيته.