ولم يبن أحد من الخلفاء بسر من رأى من الأبنية الجليلة مثل ما بناه المتوكل، فمن ذلك القصر المعروف بالعروس أنفق عليه ثلاثين ألف ألف درهم، والقصر المختار خمسة آلاف ألف درهم، والوحيد ألفي ألف درهم، والجعفري المحدث عشرة آلاف ألف درهم، والغريب عشرة آلاف ألف درهم، والشيدان عشرة آلاف ألف درهم، واليرج عشرة آلاف ألف درهم، والصبح خمسة آلاف ألف درهم، والمليح خمسة آلاف ألف درهم، وقصر بستان الألتاخية عشرة آلاف ألف درهم، والتل علوه وسفله خمسة آلاف ألف درهم، والجوسق في ميدان الصخر خمسمائة ألف درهم، والمسجد الجامع خمسة عشر ألف ألف درهم، وبركوان للمعتز عشرين ألف ألف درهم، والقلائد خمسين ألف دينار، وجعل فيها أبنية بمائة ألف دينار، والغرد في دجلة ألف ألف درهم، والقصر بالمتوكلية وهو الذي يقال له: الماحوزة، خمسين ألف ألف درهم، والبهو خمسة وعشرين ألف ألف درهم، واللؤلؤة خمسة آلاف ألف درهم، فذلك الجميع مائتا ألف ألف وأربعة وتسعون ألف ألف درهم.
وكان المعتصم والواثق والمتوكل إذا بنى أحدهم قصرا أو غيره أمر الشعراء أن يعملوا فيه شعرا، فمن ذلك قول علي بن الجهم في الجعفري الذي للمتوكل:
وما زلت أسمع أن الملو
ك تبني على قدر أقدارها
وأعلم أن عقول الرجا
ل تقضي عليها بآثارها
فلما رأينا بناء الإما
م رأينا الخلافة في دارها
بدائع لم ترها فارس
ولا الروم في طول أعمارها
وللروم ما شيد الأولون
وللفرس آثار أحرارها
وكنا نحس لها نخوة
فطامنت نخوة جبارها
وأنشأت تحتج للمسلمين
على ملحديها وكفارها
صحون تسافر فيها العيون
إذا ما تجلت لأبصارها
وقبة ملك كأن النجو
م تضيء إليها بأسرارها
نظمنا الفسافس نظم الحلي
لعون النساء وأبكارها
لو ان سليمان أدت له
شياطينه بعض أخبارها
لأيقن أن بني هاشم
تقدمها فضل أخطارها
وقال الحسين بن الضحاك:
سر من را أسر من بغداد
قاله عن بعض ذكرها المعتاد
حبذا مسرح لها ليس يخلو
أبدا من طريدة وطراد
ورياض كأنما نشر الزه
ر عليها محبر الأبراد
واذكر المشرف المطل من التل
على الصادرين والوراد
وإذا روح الرعاء فلا تن
س رواعي فراقد الأولاد
وله فيها وبفضلها على بغداد:
على سر من راء المصيف تحية
مجللة من مغرم بهواهما
ألا هل لمشتاق ببغداد رجعة
تقرب من ظليهما وذراهما
محلان لقى الله خير عباده
عزيمة رشد فيهما فاصطفاهما
وقولا لبغداد إذا ما تنسمت
على أهل بغداد جعلت فداهما
أفي كل يوم شف عيني بالقذا
حرورك حتى رابني ناظراهما
قال ياقوت: ولم تزل كل يوم سر من رأى في صلاح وزيادة وعمارة منذ أيام المعتصم والواثق إلى آخر أيام المنتصر بن المتوكل، فلما ولي المستعين، وقويت شوكة الأتراك، واستبدوا بالملك والتولية والعزل، وانفسدت دولة بني العباس، لم تزل سر من رأى في تناقص للاختلاف الواقع في الدولة بسبب العصبية التي كانت بيد أمراء الأتراك، إلى أن كان آخر من انتقل إلى بغداد من الخلفاء، وأقام بها وترك سر من رأى بالكلية المعتضد بالله أمير المؤمنين كما ذكرناه في التاج، وخربت حتى لم يبق منها إلا موضع المشهد، الذي تزعم الشيعة أن به سرداب القائم المهدي، ومحلة أخرى بعيدة منها يقال لها: كرخ سامرا، وسائر ذلك خراب يباب يستوحش الناظر إليها بعد أن لم يكن في الأرض كلها أحسن منها، ولا أجمل ولا أعظم ولا آنس ولا أوسع ملكا منها، فسبحان من لا يزول ولا يحول.
وذكر الحسن بن أحمد المهلبي في كتابه المسمى بالعزيزي قال: وأنا اجتزت بسر من رأى منذ صلاة الصبح في شارع واحد ماد عليه من جانبيه دور كأن اليد رفعت عنها للوقت لم تعدم إلا الأبواب والسقوف، فأما حيطانها فكالجدد، فما زلنا نسير إلى بعد الظهر حتى انتهينا إلى العمارة فيها، وهي مقدار قرية يسيرة في وسطها، ثم سرنا إلى الغد على مثل تلك الحال، فما خرجنا من آثار البناء إلى نحو الظهر، ولا شك أن طول البناء كان أكثر من ثمانية فراسخ.