بلى، فقد من غاليا على عهد شارلمان، وبعده بزمن طويل كل اهتمام بشيء يقال له: الثقافة العامة،
7
وأصبحت اللغة اللاتينية، وهي اللغة المكتوبة الوحيدة على غاية من الفساد، وأصبح الكتاب أندر من الكبريت الأحمر، ولا يطمع الأفراد الذين كانوا يرغبون في التعلم إلا أن يقرءوا التوراة، ويكتبوا صكا رسميا بالرجوع إلى دساتيرهم، أما صنائعهم السائرة فهي من العبث والفساد بالمحل العالي، وذكر روبرتسون
8
أنهم عثروا على عدة قوانين ووثائق صادرة عن أهل الطبقة الأولى من الأعيان، يستدل منها أنهم كانوا أميين؛ ولذلك كانوا يعمدون إلى وضع صورة الصليب على الوثائق الصادرة عنهم، بل كان هريون أعظم قضاة الدولة أميا، وكان دجسلين رئيس الجيوش الفرنسية في القرن الرابع عشر وأعظم رجال عصره أميا، وكان كل من يتطلب منصبا يسأل إن كان يقرأ الإنجيل ورسائل الرسل، ويفسر معناها ولو كلمة كلمة، من غير نظر إلى تفسير الجملة؛ ذلك لأنه كانت الكتب نادرة الوجود لا تتعدى أسوار البيع، وما خرج الغربيون من الجهل إلا باختراع الطباعة في القرن الخامس عشر. وذكر القزويني
9
أن تجارا من العرب ذهبوا إلى شلشويق - من بلاد الدانيمرك اليوم - لاستحضار العنبر فوصفوا أهلها بأنهم وحوش عراة يسترون عوراتهم بقطع من الجلود.
هكذا كان أوروبا الغربية وما إليها، أما حال أوروبا الشرقية فكانت إلى الهمجية المطلقة، بل إن تاريخ روسيا لم يكن بدأ في القرن التاسع للمسيح، وكانت تلك البلاد الواسعة مسرحا لبعض قبائل الصقالبة، يتسلط التتر عليها ويسومونها سوء العذاب، بل دامت أيام الجهالة في روسيا إلى ما بعد ذاك العهد بقرون، ولقد شبت فيها نار حرب
10
أهلية لخلاف وقع في معرفة عدد الأصابع التي يجب استعمالها في عمل إشارة الصليب، ولم تخلص روسيا في الحقيقة من كابوس الجهل المطبق إلا في القرن الثامن عشر على عهد مصلحها بطرس الأكبر، ومثل ذلك يقال في سائر بلاد الغرب حاشا إيطاليا؛ فإن برابرة الشمال قضوا على مدنية الرومان فيها، وسلمت لهم بعض عادياتها ومصانعها، فكانت للأخلاف بمثابة حافز لهم على الترقي، فانبعثت النهضة بعد قرون من بين أظهر القوم، وسرى قبس نورها في القرن الرابع عشر إلى معظم الأصقاع الأوربية.
المقابلة بين بلاد العرب وبلاد الإفرنج
كانت أوروبا تحت سلطة الباباوات، يتصرفون فيها على هواهم، ويتحكمون في الأرواح والأشباح، والناس تائهون كما قال «دوزي»
11
في ظلام الجهالة، لا يرون النور إلا من سم الخياط، والنور لا يسطع إلا من جانب الأمة الإسلامية، من علوم وأدب وفلسفة وصناعات وأعمال يد وغير ذلك، وبغداد والبصرة وسمرقند ودمشق والقيروان ومصر وفارس وغرناطة وقرطبة هي المراكز العظيمة للعلم، وعواصم أوروبا التي ندهش بها اليوم أشبه بقرى، لا علم فيها ولا عمران، وهي متأخرة في كل شئونها المادية والأدبية، وما كانت في بلاد الإسلام مدرسة ولا جامع ولا بلد ولا دار كبرى تخلو من خزائن كتب مسبلة على المطالعين، هذا مع عزة المخطوطات في ذاك العهد، يجتمع في تلك الدور العالمون، يقرءون ويتباحثون ويتدارسون، تساوى في ذلك الرجال والنساء، وكانت المدارس في المدن والقرى وفي الأندلس خاصة مبذولة لكل طالب، حتى قال أحد مؤرخي الإفرنج: إن معظم سكان إسبانيا الإسلامية كانوا يقرءون ويكتبون، في زمن كان أهل الطبقة العليا في أوروبا النصرانية أميين لا يقرءون عدا أفرادا قلائل من الشمامسة، جعلوا الكتابة صناعة لهم. وقال روبرتسون: كان في إسبانيا في ابتداء القرن الخامس عشر مدن كثيرة أعمر من باقي مدن أوروبا حاشا مملكتي إيطاليا وبلاد القاع، وكان العرب أنشأوا في مدنهم معامل ومصانع أيام كانوا حاكمين فيها.
وغصت بلاد المسلمين بالمجامع العلمية مؤلفة من علماء لا ينظر في اختيارهم إلى الدين الذي يدينون به، بل يراعى فيهم علمهم واختصاصهم، وكان الخلفاء والملوك والعظماء يجمعون المشتغلين في قصورهم، يتذاكرون أصناف العلوم، وما كان مجلس لهم يخلو من عالم أو علماء، ينصب الحضور له ويأخذون عنه، ومنهم من كان يستصحب العلماء في غزواته، أو يصحب أحمالا من الكتب في رحلاته؛ لأن نفسه تفطم عن كل شيء إلا عن الأبحاث العلمية وغيرها، وكان المنصور بن أبي عامر الأندلسي، وأمير المؤمنين المأمون في بغداد ، في جملة عشرات من رجال الإسلام كان هذا شأنهم.