ومن قبله جاء دوزي
17
فقال: إن العرب لم يحكموا بتعاليم فلسفية فقط، بل بالفطرة والغريزة، حتى حققوا بادئ بدء مقالة الثورة الفرنسية الشريفة وهي الحرية والمساواة والإخاء. ولقد كان البدوي يستمتع بحرية ليس أوسع منها على الأرض، ويقول: لا أعرف مولى غير مولى العالم، وبلغ الحد الأعظم من الحرية التي يتمتع بها، بحيث لو قرنت معها أصولنا في الحرية الراقية إلى أبعد الغايات، تسجل أنها تشبه قواعد الاستبداد، وعندنا أن الحكومة شر لازم لا يتقى، والشرط فيه الخير. أما البدو فإنهم مستغنون عن كل حكومة، حقا إن لكل قبيلة أميرها تنتخبه بنفسها، ولكن نفوذه قليل وإن كان مبجلا عندهم، مسموع الكلمة بينهم، لا سيما إذا كان مفوها لسنا، وليس من حق شيخ القبيلة البتة أن يصدر الأوامر والنواهي، ويطلب إليه أن لا يقبض راتبا، بل يكره - إرضاء للرأي العام - على أن يقوم بإطعام الفقراء، ويوزع بين أحبائه الهدايا التي تهدى إليه، ويقري الغرباء قري لا يتأتى لأي كان من رجال القبيلة أن يقوم بمثله حسنا ورونقا، ويقضى عليه في كل حال أن يأخذ رأي مجلس شورى القبيلة المؤلف من أمراء أسرات مختلفة، وبدون رضى هذا المجلس لا يستطيع إشهار حرب، ولا عقد صلح، ولا تقويض مضارب الجيش، وإذا منحت إحدى القبائل لقب أمير لأحد أفرادها، فلا يكون ذلك على الأغلب إلا من قبيل الحرمة لا تعود عليه بشيء، بل هي بمثابة شهادة عامة منها تمنحه إياها دليل إجلالها له، واعترافا بعظمة الرجل الممتاز باقتداره وجرأته وسماحته وإخلاصه في قضاء شئون قبيله، قال أحد الأحرار الأقدمين: إننا لا نعطي هذه المرتبة لأحد ما لم يهبنا كل ما يملكه، ويسمح لنا أن نطأ بأرجلنا كل عزيز لديه، وينزل عن كل ما يحب أن يراه مبجلا مشرفا، ويخدمنا خدمة الموالي والعبيد .
وبعد أن توسع المؤلف الهولاندي في شرح معنى الحرية والمساواة والإخاء عند العرب، وأتى بالشواهد التاريخية والأمثال الكثيرة، وقارن بين هذه الأسماء عند العرب وفي أوروبا، رأى أنها أفضل عند العرب؛ لأنها أدعى إلى الراحة ينجو أصحابها من الأطماع التي لا حد لها، والآمال البعيدة غالبا، كما هو الحال عند الأوروبيين، ممن دأبهم أبدا التفكر في نيل حالة أحسن من حالتهم، وهذا مما يهدم أركان المجتمع الإنساني وقلما يأتي بالسعادة، بيد أنه امتدح من التوسع في الفكر عند الإفرنج، ذاك التوسع الذي آل بهم إلى مواطن الارتقاء الحاضر، ورزقهم هذا النجاح الماثل للعيان، وختم بقوله: إن العرب لما نزلوا في الولايات الجسيمة التي افتتحوها بحد السيف اشتغلوا مع هذا بالعلوم، إلا أنهم لم يظهروا في غير مظهرهم الأول في عدم الخنوع لحكم الخلائق، وترجموا كثيرا من كتب الأقدمين وعلقوا عليها شروحا فاغتنت بأعمالهم بعض فروعها، واتسع نطاقها بملاحظاتهم الدائمة البالغة غاية الدقة والوضوح، لكنهم لم يخترعوا شيئا ولا ندين لهم بأدنى فكر عال أو واسع، وهكذا فإن بيننا وبينهم اختلافات أساسية، وربما كانت أخلاقهم أسمى من أخلاقنا، ونفوسهم أكبر من نفوسنا، وهم أكثر ميلا إلى العظمة الإنسانية، ولكنهم لا يحملون بذور النهضة والنجاح، ومع ما هم عليه من الولوع بالاستقلال الشخصي، وعلى قلة ما انطووا عليه من الأفكار السياسية، يظهر أنهم غير قادرين على الخضوع لقوانين المجتمعات. ا.ه.
هذا ما قاله دوزي وأكثر كلامه حقيقة لا مرية فيها، إلا قوله: إن العرب لم يأتوا بجديد، ولا تدين أوروبا لهم بأدنى فكر عال أو واسع؛ ذلك لأن ما تم على أيديهم في باب العلم والمخترعات كان كثيرا بالنسبة إلى القرون التي فاقوا خلالها بسياستهم سائر أمم الحضارة، على ما فصلنا ذلك في الباب الذي عقدناه لعلوم العرب وما وفقوا إلى كشفه، واستندنا فيه إلى بعض علماء الغرب في هذا الشأن، أمثال لبون ودرابر وجوتيه وسيدليو وجبون.