وإن قائدا كخالد بن الوليد يكتب إلى ملوك فارس قبل وقعة القادسية، يريدهم على الدخول في أمره ليدعهم وأرضهم ويجوزهم على غيرهم: «وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على غلب على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.» ويكتب إلى مرازبة
10
فارس: «أما بعد، فأسلموا تسلموا، وإلا فاعتقدوا مني الذمة وأدوا الجزية، وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون شرب الخمر.» إن قائدا يقول هذا معبرا بلسان قومه عن استهانته بالموت في سبيل هدفه الأعلى، لا يستعظم منهم أن يغلبوا يوم الزحف، وهم أقل من ربع أعدائهم بعددهم، بيد أن العرب كانوا يحاربون وهم يعرفون السبب الذي من أجله يحاربون، فإذا ما سمعتهم كبروا التكبيرة ثم التكبيرتين والثلاث وهم زاحفون على أعدائهم أيقنت أنهم لا يرجعون أو ينتصرون، ولا يبقون ولا يذرون، وكانوا مع هذا كما قال فيهم
11
أعداؤهم: «فرسانا في النهار، رهبانا في الليل، يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل دوي النحل، وهم آساد الناس لا يشبههم الأسود.» قوم كانوا بالأمس لإفراطهم في الحرية لا يخضعون لنظام، فلما دخلوا في الإسلام رأيتهم لا يخالفون أمرا لكبيرهم، يبايعونه على الطاعة والموت في سبيل الجماعة.
وإن خليفة كابن الخطاب يقول: «إني حريص على أن لا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تآسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم، ولست معلمكم إلا بالعمل، إني والله ما أنا بملك فأستعبدكم، وإنما أنا عبد الله عرضت علي الأمانة فإن أبيتها ورددتها عليكم واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا سعدت، وإن أنا حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت، ففرحت قليلا وحزنت طويلا، وبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب.» إن خليفة كهذا يقول عام الرمادة، وهو عام مجاعة وجدب وقحط: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يصبني ما أصابهم، ويقسم أن لا يذوق سمنا ولا لبنا ولا لحما حتى يحيي الناس، وجعل يثرد بالزيت حتى تغير لون بشرته، ثم ينحر جزورا يطعمها الناس فيغرفون له طيبها فيؤتى بقدر من سنام ومن كبد فيقول: أنى هذا؟ فيقال له: يا أمير المؤمنين من الجزور التي نحرنا اليوم، فقال: بخ بخ بئس الوالي أنا أكلت طيبها وأطعمت الناس كراديسها،
12
ارفع هذه الصفحة هات لنا غير هذا الطعام، فيؤتى بخبز وزيت فيكسر ويثرد في ذلك الزيت ويرسل الجفنة إلى أناس مقفرين. إن خليفة يعمل هذا في أيام الشدة، وفي أيام الرخاء، يقول لجماعة يطعمهم أكسار بعير وخبزا: إنا لو نشاء لملأنا هذه الرحاب من صلائق وسبائك وصناب،
13
ولكني رأيت الله عز وجل نعى على قوم شهواتهم، فقال:
أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ، إن خليفة يفعل هذا غير متصنع ولا متعتع
14
حري بأن يحبه قومه ويطيعوه في كل ما يأمرهم به.
لما فتح عتبة
15
بن فرقد أذربيجان صنع سفطين من خبيص وألبسهما الجلود واللبود ثم بعث بهما إلى عمر، فلما أتاه الرسول بهما كشف عنهما فذاق الخبيص، فقال: إن هذا لطيب أثر، أكل المهاجرين أكل منه ما شبعه؟ قال: لا، إنما هو شيء خصك به، فكتب إليه من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عتبة بن فرقد، أما بعد، فليس من كدك ولا كد أمك ولا كد أبيك، لا تأكل إلا ما يشبع منه المسلمون في رحالهم.
حمل بعض الفرس إلى أبي عبيدة بن مسعود آنية فيها أنواع أطعمة فارس والألوان والأخبصة وغيرها فقالوا: «هذه كرامة أكرمناك بها وقرى لك.» قال: أأكرمتم الجند وقريتموهم مثله؟ قالوا: لم يتيسر ونحن فاعلون. فرده وقال: «لا حاجة لنا فيه، بئس المرء أبو عبيدة أن صحب قوما من بلادهم أهرقوا دماءهم دونه أو لم يهريقوا، فاستأثر عليهم بشيء يصيب، لا والله لا نأكل مما أفاء الله عليهم إلا مثل ما يأكل أوساطهم.»