تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال أبو عثمان الجاحظ:

58

وأنشدت سهل بن هارون قول سلمة بن خرشب وشعره الذي أرسل به إلى سبيع التغلبي في شأن الرهن التي وضعت بين يديه في قتال عبس وذبيان، فقال سهل بن هارون: والله لكأنه سمع رسالة عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، إلى أبي موسى الأشعري في سياسة القضاء وتدبير الحكم. والقصيدة قوله:

أبلغ سبيعا وأنت سيدنا

قدما وأوفى رجالنا ذمما

أن بغيضا وأن إخوتها

ذبيان قد ضرموا الذي اضطرما

نبئت أن حكموك بينهم

فلا يقولن بئس ما حكما

إن كنت ذا خبرة

59

بشأنهم

تعرف ذا حقهم ومن ظلما

وتنزل الأمر في منازله

حكما

60

وعلما وتحضر الفهما

ولا تبالي من المحق ولا ال

مبطل لا إلة ولا ذمما

فاحكم وأنت الحكيم بينهم

لن تعدموا الحكم ثابتا صما

61

واصدع أديم السواء بينهم

على رضا من رضي ومن رغما

إن كان مالا ففض عدته

مالا بمال وإن دما فدما

حتى ترى ظاهر الحكومة مث

ل الصبح جلي نهاره ظلما

هذا وإن لم تطق حكومتهم

فانبذ إليهم أمورهم سلما

وقد خصت قريش من بين العرب بمزايا جليلة وصفها الجاحظ بقوله: قد علم الناس كيف كرم قريش وسخاؤها، وكيف عقولها ودهاؤها، وكيف رأيها وذكاؤها، وكيف سياستها وتدبيرها، وكيف إيجازها وتحبيرها،

62

وكيف رجاحة أحلامها إذا خف الحليم، وحدة أذهانها إذا كل الحديد، وكيف صبرها عند اللقاء، وثباتها في اللأواء، وكيف وفاؤها إذا استحسن الغدر، وكيف جودها إذا حب المال، وكيف ذكرها لأحاديث نجد، وقلة صدودها عن جهة القصد، وكيف إقرارها بالحق وصبرها عليه، وكيف وصفها له ودعاؤها إليه، وكيف سماحة أخلاقها، وصونها لأعراقها، وكيف وصلوا قديمهم بحديثهم، وطريفهم بتليدهم، وكيف أشبه علانيتهم سرهم، وقولهم فعلهم، وهل سلامة صدر أحدهم إلا على قدر بعد غديره، وهل غفلته إلا في وزن صدق ظنه، وهل ظنه إلا كيقين غيره.

| العرب في الإسلام

حالة العالم في الإسلام وحال الأولين من المسلمين

كان أهل الأرض يوم قام الرسول يهدي من الضلالة وينقذ بمكانه من الجهالة - كما قال علي بن أبي طالب: مللا متفرقة، وأهواء منتشرة، وطوائف مشتتة، بين مشبه لله بخلقه، أو ملحد في اسمه، أو مشير إلى غيره، ضلالا في حيرة، وخابطين في فتنة ، قد استهوتهم الأهواء، واستزلتهم الكبرياء، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء، حيارى في زلزال من الأمر، وبلاء من الجهل، وأرسل الرسول «على

1

حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم، واعتزام من الفتن، وانتشار من الأمور، وتلظ من الحروب، والدنيا كاسفة النور، ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها، وإياس من ثمرها، واغورار من مائها، قد درست منار الهدى، وظهرت أعلام الردى، فهي متجهمة

2

لأهلها، عابسة في وجه طالبها، ثمرها الفتنة، وطعامها الجيفة، وشعارها الخوف، ودثارها السيف.»

جمع الإسلام من شمل العرب بعد تشتتهم، وآخى بينهم مؤاخاة ما عهدوها، وهذب نفوسهم حتى سلس قيادهم بعد شماسه، وثقفهم ثقافة أفادوا بها ففادوا بالأهل والولد والنفس والمال في نصرة دينهم، فامتن تعالى عليهم بقوله:

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون . وأناس أصبح هذا حالهم لا يستعظم عليهم أن يفتحوا في سنين قليلة - الشام والعراق وفارس ومصر والجزيرة والروم والسند وبخارى والمغرب والأندلس وجزر البحر المتوسط، وأن يضعوا الجزية على ملك الصين، والتوفيق حليف رايتهم أينما حلت، يفتحون بالعدل قلوب من يغلبونهم على أمرهم، عقبى فتحهم بلادهم عنوة أو صلحا، يتحامون ما أمكن إهراق الدماء، ويرفقون بالمستضعفين من الأولاد والنساء والرهبان والراهبات، وينشرون كلمة التوحيد بالحكمة والموعظة الحسنة، ويعلمون الأمم المغلوبة لسانهم ومنازعهم، مؤثرين في كل حالة من حالاتهم الآخرة على الدنيا، وكذلك كانوا في أقوالهم وأفعالهم.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٥٧