تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد، فإذا كان ما صارت إليه بعض الشعوب الإسلامية من الانحطاط في القرون الأخيرة مما دعا بعض علماء الاجتماع من الغربيين إلى أن يسيئوا ظنهم بدين القوم ومدنيتهم وتاريخهم، فإن للانحطاط أسبابا وعوامل معروفة سنعرض لها في الفصول المقبلة، ومسائل الدين والمدنية محررة مدونة يمكن الناظر المنصف أن يضعها كل ساعة تحت منظار النقد وفي بوتقة الحل، وإنما الذي يؤلم أن بعض أولئك الباحثين قد يحترمون مدنية وثنية ويبالغون في عظمتها؛ لأنها قامت بأرضهم وعلى أيدي بعض أجدادهم بزعمهم، ثم بارت واضمحلت بعوالم كثيرة، وظل المتشبعون بحب الأجداد يتناغون بها، كأن الوثنية أنفع من التوحيد، وكأن عبادة الأصنام تبعث على الارتقاء أكثر من عبادة إله واحد، وكأن من أهانوا الإنسان أحسن ممن كرموه، وكأن من حسنوا الأخلاق أوقع أثرا ممن عبثوا بها بما لا يقبل به عقل سليم.

شق على بعض الشعوبية أن تنسب مزية للعرب، فسلبوهم كل فضائلهم المحسوسة الثابتة في الإسلام والجاهلية، وشق على آخرين وهم معترفون ضمنا بفضل العرب، أن يقوم العرب بقسطهم من خدمة الحضارة، ومنهم شارل ريشه، وهو من العلماء لكنه لم يتمحض لدراسة تاريخ العرب

12

فقال: «ثم ما لبثت ليالي القرون الوسطى الداجية أن غطت كل شيء بظلامها المشؤم، فاضطر العلم المسكين أن يلجأ إلى العرب.» واضطرار العلم إلى الالتجاء إلى العرب الذي قد يفهم منه الاستخفاف بهم، لا يفيد في معرض تقرير الحقائق، ما دام ما عمله العرب لم يبرح الدهر ماثلا للعيان كالشمس في رائعة النهار، وبعد أن درست مؤلفات ابن سينا والرازي في مدارس أوروبا قرونا، ولم يبطل تدريس قانون ابن سينا من جامعات الغرب إلا في القرن الثامن عشر، أي غضاضة على العلم إذا لجأ إلى حمى العرب، فآووه وأكرموا وفادته، وانتفعوا بفوائده ونفعوا به غيرهم.

ثم كيف يلام العربي في نقل هذه الحضارة وأوروبا قد قضت قرونا، كما قال توفنر، حتى بلغت الغاية التي وصل إليها مسلمو إسبانيا في قرن واحد. وإن

13

إسبانيا نفسها ما لبثت أن أدركت أن هؤلاء البرابرة كانوا أرقى في العلم من كثير من شعوب أوروبا النصرانية، وقد تمتعت إسبانيا على عهد المسلمين بنجاح لم تصل إليه بعد ذلك، واقتضى طوعا أو كرها أن يعترف الغربيون أن العرب يعرفون صناعات السلم كما يعرفون صناعة الحرب.

هذا، وإن دعوى من يدعي من الشعوبيين الغربيين أن الإسلام مانع من الترقي ما دانت به أمة إلا انحطت، مردود بشواهد التاريخ الصادق، وها هي أوروبا بقيت

14 «ملفوفة في حنادس الهمجية من بعد ما تنصرت بألف سنة، وبلغ من جهلها وانحطاطها أن مائة عربي افتتحوا قسما من إيطاليا وقسما من سويسرا في أوائل القرن العاشر،

15

واستولوا على أكثر الجبال والمضايق وبنوا القلاع والأبراج وجاذبوا الحبل جميع ملوك تلك الأطراف، ولبثوا مالكين هاتيك الحصون والقلاع، ضاربين على أهالي تلك البلاد الذلة والمسكنة نحو قرن تام، ولم يكن عددهم أنمى ما نموا، وأكثر ما كثروا ليزيد على ألف رجل ... فكما أن همجية أوروبا لذلك العهد لم يكن السبب فيها الدين المسيحي، فانحطاط الإسلام اليوم ليس السبب فيه الشرع المحمدي.»

المسلمون والمدنية ورأي علماء الغرب فيهم

وليت شعري ألا تشفع تلك الحسنات التي تمت بأيدي العرب في العالم بما بدا في المسلمين والعرب اليوم من هنات وضعف، خصوصا إذا أنصف متعصبة الشعوبية وقابلوا بين حال المسلمين اليوم وحالهم منذ مائة سنة مثلا، فالشرق الإسلامي أخذ في عهده الأخير ينهض من سباته الذي دام قرونا: «وهو الآن في طريقه

16

إلى المسامحة والفهم والنور والارتقاء والإخاء، يأخذ أيضا بأساليب الإنسانية العظمى.» وأمة هذه حالتها الحاضرة ومكانتها الغابرة، تستحق أن تنتصف ويعرف لها حقها في الحياة، نعم، أصبح كثير من أهل الإسلام يتمثلون مدنية الغرب الحديثة من غير حرج ولا نكير، ويأخذون من حضارته ما طاب لهم وقضت به بيئتهم، وهل هم إلا بقايا أمة أتت بمدنية باهرة، مهما قال خصومها فيها، لا يسعهم أن ينكروا أنها كانت الصلة بين مدنية الرومان القديمة وأهل المدنية الحديثة.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٥