إدارة المهدي والهادي والرشيد
سار المهدي بالخلافة على الخطة التي اختطها له أبوه، ينظر في الدقائق من الأمور، ويظهر أبهة الوزارة، لكفاية وزيره أبي عبيد الله بن معاوية بن يسار، فإنه جمع له حاصل المملكة ورتب له الديوان
21
وقرر القواعد «وكان كاتب الدنيا وأوحد الناس حذقا وعلما وخبرة.» اخترع أمورا، منها أنه نقل الخراج إلى المقاسمة، وكان السلطان يأخذ عن الغلات خراجا مقررا ولا يقاسم، وجعل الخراج على النخل والشجر، وضبطت الأمور في أيامه ضبطا محكما، وكان من جملة حظ المهدي أن يكون له وزراء من هذا الطراز العالي، وهو يعتمد عليهم ويضع ثقته في رجال دولته، واستوزر أيضا يعقوب بن داود فخرج كتاب المهدي إلى الديوان أن أمير المؤمنين آخى يعقوب بن داود، فلم يكن ينفذ شيء من كتب المهدي حتى يرد كتاب الوزير يعقوب معه إلى أمينه بإنفاذه، أي إن الخليفة ووزيره كانا يراقب أحدهما عمل صاحبه لتقرير ما تلزم به المصلحة قبل إمضائه.
ووضع المهدي ديوان الأزمة ولم يكن لبني أمية ذلك، ومعنى ديوان الأزمة أن يكون لكل ديوان زمام وهو رجل يضبطه، وقد كانت الدواوين قبل ذلك مختلطة،
22
والسبب في وضع ديوان الأزمة أنه لما جمعت الدواوين لعمر بن بزيع فكر فإذا هو لا يضبطها إلا بزمام يكون له على كل ديوان، فاتخذ دواوين الأزمة، وولى على كل ديوان رجلا، وأنشأوا ديوانا سموه ديوان النظر، أي المكاتبات والمراجعات، تسهيلا على أرباب المصالح، والديوان يقسم أربعة أقسام:
23
ديوان الجيش وفيه الإثبات والعطاء، وديوان الأعمال ويتولى الرسوم والحقوق وديوان العمال ويختص بالتقليد والعزل، وديوان بيت المال ينظر في الدخل والخرج.
كان المهدي أول من جلس للمظالم من بني العباس، يقيم العدل بين المتظالمين، ومشى على إثره الهادي والرشيد والمأمون، وكان المهتدي آخر من جلس للنظر فيها، وبسط المهدي يده في العطاء فأذهب جميع ما خلفه المنصور وهو ستمائة ألف ألف درهم وأربعة عشر ألف ألف دينار، وأجرى المهدي على المجذمين وأهل السجون في جميع الآفاق، وأمر بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن وبغداد ببغال وإبل، ولم يكن هناك بريد قبل ذلك ولا في قطر من الأقطار، وكان وزيره «يرفع إليه النصائح في الأمور الحسنة من أمور الثغور والولايات، وبناء الحصون وتقوية الغزاة، وتزويج العزاب وفكاك الأسرى والمحبسين، والقضاء على الغارمين والصدقة على المتعففين.» واشتد المهدي على الزنادقة فقتل في جملة من قتل ابن وزيره أبي عبد الله بن معاوية فاستوحش كل منهما من صاحبه، فاعتزل الوزير الخدمة.
قال رجل للمهدي عندي نصيحة يا أمير المؤمنين، فقال: لمن نصيحتك هذه؟ لنا أم لعامة المسلمين أم لنفسك؟ قال: لك يا أمير المؤمنين، قال: ليس الساعي بأعظم عورة ولا أقبح حالا ممن قبل سعايته، ولا تخلو من أن تكون حاسد نعمة فلا نشفي غيظك، أو عدوا فلا نعاقب لك عدوك، ثم أقبل على الناس فقال: لا ينصح لنا ناصح إلا بما فيه رضا لله وللمسلمين صلاح، فإنما لنا الأبدان وليس لنا القلوب، ومن استتر عنا لم نكشفه، ومن بادانا طلبنا توبته، ومن أخطأ أقلنا عثرته، فإني أرى التأديب بالصفح أبلغ منه بالعقوبة، والسلامة مع العفو أكثر منها مع العاجلة، والقلوب لا تبقى لوال لا ينعطف إذا استعطف، ولا يعفو إذا قدر ، ولا يغفر إذا ظفر، ولا يرحم إذا استرحم، وهذا أرقى الأدب في استمالة القلوب وحسن سياسة الناس، ومن وافق إلى تطبيق هذه القواعد على أمته لم يحتج إلى سلاح يخيفهم ولا إلى جند يضبطهم.
وأفضت الخلافة إلى الهادي، والدواوين مدونة مرتبة، فمن ديوان الخراج إلى ديوان الضياع، إلى ديوان الزمام، إلى ديوان التوقيع والتتبع على العمال، إلى ديوان النظر، أي المكاتبات والمراجعات، إلى ديوان الرسائل، إلى ديوان البريد والخرائط، إلى غير ذلك من الدواوين، وجعل الهادي أمور الدولة تسير في قواعدها المرعية على ما تقضي به أحكام الشرع والعقل، ويراه الوزراء والأمراء والقضاة، وكان جبارا عظيما وهو أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة، والأعمدة المشهورة، والقسي الموتورة، فسلكت عماله طريقته، ويمموا منهجه، وكثر السلاح في عصره.