أبعد عمر بن عبد العزيز الشعراء والخطباء عن حماه، وما كان يحب المديح والهجاء، وهو يعرف استرسال الشعراء في المجون والهزل،
95
وأنهم يمدحون من يعطيهم ويهجون من يضن عليهم، وإذ كان رجل جد وتقوى حجبهم فانقشعوا
96
عنه كلهم، وثبت الفقهاء والزهاد فكان يعطيهم عطاء كثيرا، أما الشعراء فاكتفوا بالقليل الذي كان يعطيهم من ماله الخاص، وأعطى قوما في حمص نصبوا أنفسهم للفقه، وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا، مائة دينار لكل رجل منهم، يستعينون بها على ما هم عليه من بيت مال المسلمين، وبحسن سياسته سكنت الخوارج في أيامه فلم يثوروا؛ لأنه ناقشهم فأفحمهم، وأقسموا أن لا يشغبوا ما دام خليفة. وما حدثته نفسه قط بإهراق دماء من خالفوه في مذهبه، وقد كتب إلى عامله على الكوفة أن يستتيب القدرية مما دخلوا فيه، فإن تابوا يخلي سبيلهم وإلا فينفيهم من ديار المسلمين، أراد بذلك حقن دمائهم، وكان غيره من الخلفاء يبادر إلى قتلهم.
وطريقة عمر في إدارة ولاياته طريقة أسلافه في إطلاق الحرية للعامل، لا يشاور الخليفة إلا في أهم المهمات مما يشكل عليه أمره. كتب إلى عامله على اليمن: أما بعد، فإني أكتب إليك آمرك أن ترد على المسلمين مظالمهم، فتراجعني ولا تعرف مسافة ما بيني وبينك، ولا تعرف أحداث الموت، حتى لو كتبت إليك أن أردد على مسلم مظلمة شاة، لكتبت أردها عفراء أو سوداء، فانظر أن ترد على المسلمين مظالمهم ولا تراجعني. وأملى على كاتبه يوما كتابا إلى عامله على الكوفة قال فيه: «إنه يخيل إلي أني لو كتبت إليك أن تعطي رجلا شاة لكتبت إلي أضأن أم ماعز، فإن كتبت بأحدهما كتبت إلي أصغير أم كبير، فإن كتبت إليك، كتبت إلي أذكر أم أنثى، فإذا أتاك كتابي هذا في مظلمة فاعمل به ولا تراجعني.» وكتب إلى آخر: «إنك تردد إلي الكتب فنفذ ما أكتب به إليك من الحق، فإنه ليس للموت ميقات نعرفه.»
كان ينهى عماله عن المثلة في العقوبة، أي جز الرأس واللحية، وينهاهم عن الإسراف حتى في القراطيس التي يكاتبونه فيها؛ فقد قيل له: ما بال هذه الطوامير التي تكتب بالقلم الجليل وتمد فيها وهي من بيت مال المسلمين؟ فكتب إلى العمال أن لا يكتبن في طومار ولا يمدن فيه. قالوا: وكانت الطوامير شبرا ونحو ذلك. ومما كتب إلى أحد عماله: أدق قلمك، وقارب بين سطورك، واجمع حوائجك، فإني أكره أن أخرج من أموال المسلمين ما لا ينتفعون به. وكان عمر من كبار الكتاب والخطباء، كان إذا خطب على المنبر فخاف فيه العجب قطع، وإذا كتب كتابا فخاف فيه العجب مزقه، ويقول: اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي. ولما بويع بالخلافة دعا إليه كاتبا فأملى عليه كتابا واحدا من فيه إلى يد الكاتب بغير نسخة، فأملى أحسن إملاء وأبلغه وأوجزه، ثم أمر بذلك الكتاب فنسخ إلى كل بلد. قالوا: وجعل يكتب بيده إلى العمال في الأمصار.
97
كان عمر يحسن ظنه بعماله ولا يتخلى عن كشف أحوالهم، فقد وفد عليه بلال بن أبي بردة بخناصرة، فقال عمر للعلاء
98
بن المغيرة بن البندار، وقد رأى بلالا يديم الصلاة: إن يكن سر هذا كعلانيته، فهو رجل أهل العراق غير مدافع. فقال العلاء: أنا آتيك بخبره، فأتاه وهو يصلي بين المغرب والعشاء فقال: اشفع صلاتك فإن لي إليك حاجة ففعل، فقال له العلاء: قد عرفت حالي من أمير المؤمنين، فإن أنا أشرت بك على ولاية العراق فما تجعل لي؟ قال: لك عمالتي
99
سنة، وكان مبلغها عشرين ألف ألف درهم، قال: فاكتب لي بذلك، قال: فارقد
100
بلال إلى منزله فأتى بدواة وصحيفة فكتب له بذلك، فأتى العلاء عمر بالكتاب، فلما رآه كتب إلى والي الكوفة: «أما بعد، فإن بلالا غرنا بالله، فكدنا نغتر، فسبكناه فوجدناه خبثا كله والسلام.» وبلال هذا كان فيما يقال: أول من أظهر الجور من القضاة في الحكم، وكان أمير البصرة وقاضيها، وكان عمر يقول: لا ينبغي للرجل أن يكون قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال: يكون عالما قبل أن يستعمل، مستشيرا لأهل العلم، ملقيا للرثع،