تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

64

وهو أول من سير بين يديه بالحراب والعمد واتخذ الحراس خمسمائة لا يفارقون مكانه.

وكانت تقرأ عهود القضاة الذين نصبوا حديثا في المسجد الجامع أولا، ثم يقصدون دار الأمير فيقرأ أمامه عهد القاضي، والقضاة يقضون في الجوامع، وكان الجامع في الإسلام هو المجمع والمجلس والمحكمة وديوان المال والمدرسة وكل ما له علاقة بالسلطان والسكان، ويدبر الولاة ولاياتهم في المعسكرات، والمعسكرات بعيدة عن دور الحكومة القديمة، و«ليس

65

من مدينة عظيمة إلا وبها دار ينزلها غزاة تلك البلدة، ويرابطون بها إذا وردوها، وتكثر لديهم الصلات، وترد عليهم الأموال والصدقات العظيمة»، وإذا رحل الجيش واضطر إلى النزول في القرى لشدة البرد في الشتاء يؤويه أهلها ثلاثة أيام ويطعمونه مما يطعمون، ويقول البلاذري: إن مسلمة بن عبد الملك لما غزا عمورية حمل معه نساءه وحمل ناس ممن معه نساءهم، وكانت بنو أمية تفعل ذلك إرادة الجد في القتال للغيرة على الحرم، وكانت أمور الحرب بيد الولاة في الولايات تقوم

66

بها القبائل المهاجرة إليها، أما جيش الخليفة الخاص وهو عبارة عن أجناد الشام فكان خاصا بقتال الروم وحماية الخليفة من فتنة داخلية، وبفضل هذه القوى المخلصة للأمويين ظفروا في الحرب الأهلية سنة 64 وجرى عبد الملك على طريقة عمر ومعاوية وزياد والحجاج في أخذ نفسه بالتطلع إلى استعلام بواطن أمور الرعايا، وكذلك كان في التطبع إلى أخبار الروم وغيرهم ممن كانوا يودون أبدا أن يكيدوا للمسلمين.

أوصى أميرا سيره إلى أرض الروم فقال: أنت تاجر الله لعباده، فكن كالمضارب الكيس الذي إن وجد ربحا تجر وإلا تحفظ برأس المال، ولا تطلب الغنيمة حتى تحوز السلامة، وكن من احتيالك على عدوك أشد حذرا من احتيال عدوك عليك، وأوصى أولاده أن يعطف الكبير منهم على الصغير، وأن يعرف الصغير حق الكبير، وحذرهم البغي والتحاسد، وأوصاهم بأخيهم مسلمة وأن يصدروا عن رأيه، وأن يكرموا الحجاج فإنه هو الذي وطأ لهم هذا الأمر.

إدارة الوليد وسليمان

تولى الوليد بن عبد الملك الخلافة فسار على سيرة أبيه، وراعى إخوته وحث أولاده على اصطناع المعروف، وكان غرامه بعمران البلاد وإقامة المصانع والجوامع واعتقاد

67

الضياع، فقلده رعاياه في ذلك، فكان الناس في أيامه يخوضون في وصف الأبنية، ويحرصون على التشييد والتأسيس، ويولعون بالضياع والعمارات

68

لوفرة الثروة في أيدي الناس، وقد كتب أحد عمال الوليد بن عبد الملك أن بيوت الأموال قد ضاقت من مال الخمس، فكتب إليهم أن يبنوا المساجد، وأجرى الوليد الأرزاق على القراء وقوام المساجد وعلى العميان، وأصحاب العاهات والمجذمين، وأخدم كل واحد منهم خادما، وكان يهب أكياس الدراهم تفرق في الصالحين، وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة، وزاد الناس جميعا في العطاء عشرة عشرة وذلك للشاميين خاصة، وزاد أهل بيته في جوائزهم الضعف، وفي مئات الألوف من الدنانير التي أنفقها على إقامة الجوامع والمصانع، وما مكان في خزائنه من الأموال التي تكفي الدولة خمس عشرة سنة مقنع لمن أراد أن يتصور الأموال التي احتجنها هو ومن قبله من الخلفاء استعدادا للطوارئ.

ودخلت الدولة في حالة استقرار ونظام وانتهى

69

تعريب الملك والإدارة، وأخذت الوظائف الكبرى من النصارى، ونحي آل سرجون الدمشقيون عن إدارة الأموال، وبلغت الفتوحات أقصى حدودها، وظهرت أبهة الملك والسلطان ومالت الدولة إلى إقامة الأعمال العظيمة على الدهر، تخليدا للذكر وإشادة بالفخر، والوليد هو الذي جود القراطيس، وجلل

70

الخطوط وفخم المكاتبات، وتبعه من بعده من الخلفاء إلا عمر بن عبد العزيز ويزيد بن الوليد، فإنهما جريا في المكاتبات على طريقة السلف، ثم جرى الأمر بعدهما على ما سنه الوليد بن عبد الملك إلى أن صار الأمر إلى مروان بن محمد فعمدوا إلى الإطناب، وكان الوليد موفقا في فتوحه في الشرق والغرب بفضل قواده وولاته ممن كان يعرف لهم أقدارهم، وما كانت فتوحه تشغله عن النظر في عمران البلاد. ومن خلق الوليد أنه كان سمحا يسره أن يرى لعماله شيئا من الرفاهية، كتب إليه الحجاج إنه أصيب لمحمد بن يوسف خمسون ومائة ألف دينار، فإن يكن أصابها من حلها فرحمه الله، وإن تكن من خيانة فلا رحمه الله، فكتب إليه الوليد: إن محمد بن يوسف أصاب ذلك المال من تجارة أحللناها له، وأمره أن يترحم عليه.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٢٧