تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

51

ولى عبد الملك العراقين الحجاج بن يوسف الثقفي فقال: دلوني على رجل أوله، فقيل له: أي الرجال تريد؟ قال: أريد دائم العبوس، طويل الجلوس، سمين الأمانة، أعجف الخيانة، لا يحنق في الحق على مرة، يهون عليه سؤال الأشراف في الشفاعة، فقيل: عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي فأرسل إليه فاستعمله، فقال له: لست أقبلها إلا أن تكفيني عمالك وولدك وحاشيتك، فقال الحجاج: يا غلام ناد من طلب إليه منهم حاجة فقد برئت الذمة منه. قال الشعبي: فوالله ما رأيت قط صاحب شرطة مثله، كان لا يحبس إلا في دين، وكان إذا أتي برجل نقب على قوم، وضع منقبته في بطنه حتى تخرج من ظهره، وكان إذا أتي برجل نباش حفر له قبرا ودفنه فيه حيا، وإذا أتي برجل قاتل بحديدة وأظهر سلاحا قطع يده، فربما أقام أربعين يوما لا يؤتى إليه بأحد، فضم إليه الحجاج شرطة البصرة مع شرطة الكوفة.

خطب الحجاج أهل العراق: «إني رأيت آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمطيع بالعاصي، حتى يلقى الرجل أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم.» ولما اتصل بعبد الملك إسراف الحجاج في

52

القتل وأنه أعطى أصحابه الأموال كتب إليه: أما بعد، فقد بلغني سرفك في الدماء وتبذيرك الأموال، وهذا ما لا أحتمله لأحد من الناس، وقد حكمت عليك في القتل بالقود، وفي الخطأ بالدية، وأن ترد الأموال إلى أصحابها، فإنما المال مال الله ونحن خزانه، وقد متعنا بحق فأعطينا باطلا. كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في أخذ الفضل من أموال السواد فمنعه من ذلك وكتب إليه: «لا تكن على درهمك المأخوذ أحرص منك على درهمك المتروك، وابق لهم لحوما يعقدون بها شحوما.»

وكان الحجاج يأخذ بأيدي العلماء ممن لا يتدخلون في سياسته، ولا يشاركونه في سلطانه، ويضع في كل يوم ألف خوان في رمضان وفي سائر الأيام خمسمائة خوان، على كل خوان عشرة أنفس وعشرة ألوان وسمكة مشوية طرية وأرزة بسكر، وكان يحمل في محفة ويدار به على موائده ويتفقدها، فإذا رأى أرزة ليس عليها سكر، وسعى الخباز ليجيء بسكرها فأبطأ، حتى أكلت الأرزة بلا سكر أمر بضربه مائتي سوط، فكانوا بعد ذلك لا يمشون إلا متأبطي خرائط السكر.

53

وكان يوسف ابن عمر والي العراق في أيام هشام بن عبد الملك يضع خمسمائة خوان، فكان طعام الحجاج لأهل الشام خاصة، وطعام يوسف بن عمر لمن حضره، فكان عند الناس أحمد.

واشتهر عهد الحجاج

54

بإصلاح الموازين والخراج والزراعة فهو رجل الدولة بإصلاحاته، ولم يكن مصلحا فحسب بل كان مصلحا وموجدا، ومن إيجاده وضع الحركات والإعجام في المصاحف، لئلا يلتبس شيء من الآيات على من لا يعلم القرآن، واتخذ

55

الحجاج دار الضرب وجمع فيها الطباعين، فكان يضرب المال للسلطان مما يجتمع له من التبر وخلاصة الزيوف والستوقة والبهرجة، ثم أذن للتجار وغيرهم في أن تضرب لهم الأوراق، واستغلها من فضول ما كان يؤخذ من فضول الأجرة للصناع والطباعين، وختم أيدي الطباعين.

حرض عبد الملك ابنه على المشاورة في قضاء الأمور لما أسند إليه إمارة مصر قائلا له: «انظر أي بني إلى أهل عملك، فإن كان لهم عندك حق غدوة فلا تؤخره إلى عشية، وإن كان لك عشية فلا تؤخره إلى غدوة، وأعطهم حقوقهم عند محلها، تستوجب بذلك الطاعة منهم، وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب، فإنهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدقوك في الحق، واستشر جلساءك وأهل العلم، فإن لم يستبن لك فاكتب إلي يأتك رأيي فيه إن شاء الله، وإن كان بك غضب على أحد من رعيتك فلا تؤاخذه به عند سورة

56

الغضب، واحبس عقوبتك حتى يسكن غضبك، ثم يكون منك ما يكون، وأنت ساكن الغضب مطفأ الجمرة، فإن أول من جعل السجن كان حليما ذا أناة، ثم انظر إلى أهل الحسب والدين والمروءة فيكونوا أصحابك وجلساءك، ثم ارفع منازلهم منك على غيرهم، على غير استرسال ولا انقباض، أقول هذا وأستخلف الله عليك.» وهذا من أجمل أساليب الإدارة وسياسة الناس: لا تأخير في الفصل بينهم، ولا كذب في الوعود والمواعيد، واستشارة العارفين والعالمين، وجعلهم وحدهم بطانة وسمارا وجلساء، ولا إسراع في إنزال العقوبات حتى يذهب الغضب.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٢٥