واعتمد عثمان لأول ولايته في مشورته على من اعتمد عليهم الشيخان من قبل، وفي الولايات على بعض من كانوا عمالا لعمر، ثم على أناس من أهله وعشيرته، وممن اعتمد عليهم مروان بن الحكم، وكان مروان في ولايته على المدينة يجمع أصحاب الرسول يستشيرهم ويعمل بما يجمعون له عليه، ولم يكن عثمان مبتدعا بل كان متبعا، تبع سيرة العمرين في الحكومة،
79
وما عزل أحدا إلا من شكاة أو استعفاء من غير شكاة. وكثر المال في أيامه فكان لا يتوقف في إنفاقه، قيل: إنه باع غنائم إفريقية بخمسمائة ألف دينار وأعطاها مروان ولم يطالبه بها، ولم يزل المال متوفرا حتى لقد بيعت الجارية بوزنها ورقا، وبيع الفرس بعشرة آلاف دينار، وبيع البعير بألف والنخلة الواحدة بألف، وأعطى عبد الله بن الأرقم، وكان عمر استعمله على بيت المال، ثلاثمائة ألف درهم فأبى أن يقبلها وقال: عملت لله، وإنما أجري على الله.
وكان عثمان جوادا يحث عماله على الجود، قدم المدينة ابن خاله عبد الله بن عامر فاتح خراسان وأطراف فارس وسجستان وكرمان وزابلستان وهي أعمال غزنة، فقال له عثمان: صل قرابتك وقومك، ففرق في قريش والأنصار شيئا عظيما من الأموال والكسوات،
80
وأرسل إلى علي بن أبي طالب
81
بثلاثة آلاف درهم وكسوة، فلما جاءته قال: الحمد لله أنا نرى تراث محمد يأكله غيرنا، فبلغ ذلك عثمان فقال لابن عامر: قبح الله رأيك، أترسل إلى علي بثلاثة آلاف درهم؟ قال: كرهت أن أغرق ولم أدر ما رأيك، قال: فأغرق، قال: فبعث إليه بعشرين ألف درهم وما يتبعها، قال: فراح علي إلى المسجد فانتهى إلى حلقة وهم يتذاكرون صلات ابن عامر، هذا الحي من قريش، فقال علي: هو سيد فتيان قريش غير مدافع، وكان ذلك من سياسة عثمان وحسن إدارته.
ومن ذلك أن عامله على الكوفة كتب إليه أن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات السابقة والقدمة، والغالب على تلك البلاد روادف ردفت وأعراب لحقت حتى ما ينفر إلى ذي شرف ولا بلاء من نازلتها ولا نابتتها، فكتب إليه عثمان: أما بعد، ففضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسببهم تبعا لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به وقام به هؤلاء، واحفظ لكل منزلته، وأعطهم جميعا قسطهم من الحق فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل. ا.ه.
وكانت
82
مغازي أهل الكوفة في زمنه الري وآذربيجان، وكان بالثغرين عشرة آلاف مقاتل من أهل الكوفة ستة آلاف بآذربيجان، وأربعة بالري، وكان بالكوفة إذ ذاك أربعون ألف مقاتل، وكان يغزو هذين الثغرين منهم عشرة آلاف في كل سنة، فكان الرجل يصيبه في كل أربع سنين غزوة.
وضعفت الإدارة في النصف الأخير من عهد عثمان لشيخوخته، ولأنه لا يستطيع من كان في سنه أن ينظر في جميع المسائل، واشتغل بعض كبار العمال بأطماعهم في الولايات، وشاغب المحرومون على المنصوبين، وكثيرا ما كان يصر على تنفيذ أوامره لا يبالي كثيرا بالشكاوي، لعلمه بأنها صادرة على الأكثر عن أغراض شخصية، وما نفع اللين ولا الشدة يوم حم القضاء، فكان من قتله ما كان.
ومن عمال عثمان عبد الله بن الحضرمي، والقاسم بن ربيعة، وعبد الله بن عامر، وحبيب بن مسلمة الفهري، وأبو الأعور الأسلمي، وعلقمة بن حكيم، وجابر بن فلان المزني، وسماك الأنصاري، والقعقاع بن عمر، وجرير بن عيلان، والأشعث بن قيس، وعتيبة بن النهاس، ومالك بن حبيب، وسعيد بن قيس، والسائب بن الأقرع، وعقبة بن عامر، ومعاوية بن أبي سفيان، والغالب عليه مروان بن الحكم، وكان عثمان ست سنين في ولايته وهو أحب إلى الناس من عمر بن الخطاب، وكان عمر رجلا شديدا
83
قد ضيق على قريش أنفاسها، لم ينل أحد معه من الدنيا شيئا، إعظاما له وإجلالا، وتأسيا به واقتداء، فلما وليهم عثمان وليهم رجل لين، ثم أنكر الناس عليه أشياء أشرا وبطرا. قال ابن عمر: لقد عيبت عليه أشياء لو فعلها عمر ما عيبت عليه.