وإن فئة تمثلت أساليب هذا العصر في البحث والحل، ولم تتحرر إلى اليوم من سلطان العوامل الجنسية والدينية والسياسية، لمؤاخذة كل المؤاخذة بأحكامها الجائرة على الإسلام والمسلمين، بيد أن الإعجاب بطرائق أولئك الباحثين لا يمنع من مناقشتهم في آراء لهم غير سديدة، قال بها من قالوا ذهابا مع أهواء النفس الكثيرة، وسبيل هذا الموجز الآن، تصحيح هفوات من أساءوا وما برحوا يسيئون للعرب ودينهم ورسولهم ومدنيتهم، وذكر ما أثرته الحضارة العربية في أمم الغرب والشرق، وما مني به الإسلام، لما غير أهله ما بأنفسهم، من خصماء غير رحماء ، نالوا من روحه وجسمه، فالتاثت أحواله، وتنكرت معالمه، والإلماع إلى ما قام به المسلمون بعد طول الهجعة، يلوبون على استعادة مجد أضاعوه، وعلقوا اليوم يقطعون إليه أشواطا، حتى لم يبق أمامهم غير مراحل قليلة لبلوغ الغاية.
والرجاء في هذه الصفحات أن تنفع في باب اعتبار الأحفاد بذكرى صنيع الأجداد، وأن تنتصف بها حضارتنا ممن ثلموها وما رحموها، والعمدة في وضعها على ما أطال حكماء العلماء من الإفرنج في بسطه، وفي وصف ماضي الأمة العربية على مقتضبات من أمهات أسفارها المحررة، والمنهاج فيها إطلاق حرية التفكير والتقرير، والتقية ليس مذهبا مجديا في زمن لم يعرف البشر حرية كحريته، ولا علما أعظم من علم أهله، ولا عقولا صفت كعقولهم، ولا طبقات رشيدة تعلمت حسن الاستماع على غرار طبقاتهم.
وأسأله تعالى أن يحل عقدة من لساني وقلمي؛ لأجمل ما توفرت من قراب أربعين سنة على الدعوة إلى الأخذ به، من حسنات الحضارتين العربية والغربية، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
محمد كرد علي
دمشق، في: 19 جمادى الثانية سنة 1352
8 أكتوبر سنة 1933
| المخالفون ودواعي الخلاف
إنصاف الإسلام والعرب
أخذ أبناء الغرب يتمتعون بعد القرن السابع عشر بحرية الفكر والوجدان، فنشأت فيه طائفة من العلماء تم لها معظم أدوات الفضل، وقد راعها ما شاهدت وحققت، فردت أقوال من ظلموا العرب والإسلام، متوخية كشف القناع عن وجه الصواب الذي غشيته الغواشي
1
في الدهر الغابر، ومن أبناء الغرب المعتدلين من استهدفوا للطعن؛ لأنهم لم يمالئوا الكاتبين الأولين على ما كتبوه، وخرجوا عن المألوف فأنصفوا المخالف، ولم يثنهم عن عزيمتهم نقد ناقد، ولا طعن طاعن، وراحوا يهزءون بمن اتهموهم ظلما بأمانتهم، ويصدعون بالحق الذي تبين لهم.
ولذلك وجب على أصحاب هذه المدنية، وهذه الدعوة الإسلامية، أن يشكروا لأولئك المنصفين، وأن لا يغرقوا باللائمة على من ينظرون إلى أشياء غيرهم، بغير العين التي يبصرون بها أشياءهم، فمن الظواهر الاجتماعية هنا، ما نرى له ما يماثله في المجتمع الغربي، كسيت هناك ثوبا جميلا بفعل الحضارة الممتدة الرواق، وبقيت هنا على سذاجتها للتأخر الطارئ من تراجع المدنية، والقوى قد تبدو سيئاته فيخيل لقصار النظر أنها حسنات، أو يفسر معاني غيره تفسيرا يظنه ضعاف النظر آيات بينات، والضعيف مهما أحسن مغمور مدحور، وربما قلبت حسناته سيئات، والعالم على الدهر عبد القوة القاهرة.
وما دامت المعضلة معضلة تخالف في عقيدة، وتخالف في تربية وعادة، وتخالف في عنصر وبيئة، فمن الواجب علينا أن نساد ونقارب حتى تفعل الأيام فعلها: نعذر المنابذ المعتدل، إذا كان ممن يؤمن بما يقول، ونشكر للموافق العادل الذي يصدر رأيه عن عقيدة واقتناع، وعلينا أن لا ننسى أيضا أن مجتمعنا ما كان في الحقيقة في عامة أدواره وأطواره فائضا بالعدل والتسامح، فقد عهدنا طوائف بالغت في الحط من المخالف لأفكارها، فحاربته بكل سلاح تحت كل كوكب، فأضعفت بعملها العقل، وقضت على الحضارة بأن وضعت العقبات في محجتها.
نحن اليوم قد نستفيد من سماع أقوال المخالف، ومنازع الصريح في نقده قد تقوم المعوج وتصلح الفاسد، لا جرم أن من المسائل ما يصعب تمييز بهرجه من صحيحه، إلا بمعاناة طويلة، وأناة وروية، ورفق جميل، وقد يكون منشأ التعقيد على الأغلب من الواضع الأول، إما لسوء فهم، ومشايعة وهم، أو لتعمد في إفساد حكم، بعلم وبغير علم، فيتسرب الضعف إلى العقول، ويتأصل فيها بمرور الأيام، والضلالة إذا رسخت احتاجت إلى جهود طويلة حتى تنزع من الأذهان، والحق إذا اختلط بالباطل وامتزج باللحم والدم استلزم التفريق بينهما معالجة طويلة، وهذا ما يصدق على تاريخ الإسلام، وحكم بعض الغربيين عليه منذ القديم، فإن الخطأ فيه عندهم عمدا أو عن غير عمد، قد أتت عليه القرون حتى انتفى، وظهرت بين ظهرانيهم حقيقته على جليتها، ولذلك يحمد قصد من أنصفوا في أحكامهم علينا، والعدل من القريب حلو ومن البعيد أحلى، ومن خالفنا في مسألة ووافقنا في مسائل كان أقرب للتقوى.