ونحن هنا نطلق لفظ الشعوبية على كل من ناهضوا العرب في القديم والحديث، وفي الشرق والغرب، وقاموا ينقصون من قدر حضارتهم وتاريخهم، لأغراض في نفوسهم لا تخفى على أرباب البصائر. ولهؤلاء الشعوبيين طرق غريبة في الحط من العرب، يتناولون فيها كل مسألة تؤدي مباشرة أو غير مباشرة إلى العبث بمزايا لهم، تناصرت
2
الأخبار على تفردهم بها، ولو أنصف الشعوبيون لما ارتكبوا كبيرة إنكار الثابت، وإثبات المنكر، وأنت كلما حججتهم بأقوال الأعلام من علمائهم أصروا معاندين، بل اشتدوا في الغلو حتى وصموا المعتدلين من جماعتهم بقلة البضاعة في هذه الموضوعات التي أصبحت لعهدنا على طرف الثمام
3
لكثرة النقل والنشر، وأنت إذا ما أحلتهم على قوانين العقل الطبيعية، فروا كأنهم حمر مستنفرة، فرت من قسورة.
4
ومن أغرب ما قرأنا ونحن نكتب هذا، دعوى أحد هؤلاء الشعوبيين أن رينان لما لم يكن متمكنا من العربية، وأن تين ولامارتين ولبون لما لم يعرفوا كلمة منها كان بحثهم في العرب غير صحيح، ذلك أنه شق على هذا الشعوبي المتعصب أن يذكر هؤلاء العلماء العرب بشيء من الإنصاف، فما وسعه إلا أن ينسب إليهم الجهل بلغة العرب، وما عهدنا أن الحكم على مدنية من المدنيات يشترط فيه أن يكون المرء ماهرا بلغة تلك المدنية، ولو صح هذا النظر لاستلزم أن ندرس اللغة اليونانية لنحكم على مدنية اليونان، ونتلقف اللاتينية لنحكم على الرومان، والهيروغليفية لندرس مدنية الفراعنة، وهكذا لو طمحت أنفسنا إلى أن ندرس الهند والصين واليابان، وأجناس البشر من الأصفر والأحمر والأسود والأبيض، لاقتضى لنا أن نتقن لغاتهم، حتى يسوغ لنا بزعم ذاك الشعوبي أن نحكم عليهم، وفاته أن لغات أوروبا، ولا سيما الأمهات التي يتكلم بها عشرات الملايين من الخلائق، قد نقلت إليها معظم النصوص العربية، بحيث لا يكاد يفوت الباحث شيء يلزمه للبحث في حضارة العرب والإسلام.
ومتى كانت الإحاطة بلغة أمة شرطا أعظم في صحة الحكم على مدنيتها؟ وهل في مقدور البشر أن يدرس الفرد عشرات من اللغات، إذا صح عزمه على معرفة تواريخ الأمم؟ حقيقة العرب تعرف من القدر الذي ألف ونقل إلى كل لغة من لغات المدنية الحديثة، وهو شيء كثير تتألف منه خزانة في كل أمة من الأمم المتحضرة اليوم. سألنا مؤلف كتاب حاضر العالم الإسلامي الأميركي، من أين له هذا الوقوف الجيد على تاريخ الإسلام وهو لا يعرف العربية؟ فقال: إنه درس التاريخ الإسلامي عشر سنين عند أستاذه في التاريخ، وكان هذا يحسن العربية، ويستخرج من كتبها كل ما يلزمه لدراسة تاريخ الإسلام؛ ولذلك أخذ لباب ما كان أستاذه متمكنا منه، ولم يحتج كثيرا إلى تلقف العربية للحكم على الإسلام والعرب، ولكن ذاك الشعوبي طلق المنطق فلذ لقلبه إسقاط أربعة من كبار علماء فرنسا المتأخرين، ليسقط بإسقاطهم مدنية أمة عظيمة يرى من مصلحته أن يعمل على حربها حتى لا تقوم لها قائمة، ولا تنسب لها في قديم الدهر وحديثه صفة من الصفات الطيبة التي قل أن تتجرد منها أمة عظيمة مهما كان جنسها وهواؤها ودينها.
نقض علماء الغربيين مماحكات الشعوبيين
وكل ما رددنا عليه آنفا هو رأي الشعوبي لامنس المؤرخ المحابي، كما لقبه بعض علماء أوروبا، وما فتئ يضعف من شأن أكبر مؤرخي العرب أمثال الطبري، والبلاذري، وابن سعد، والأصفهاني، وابن الأثير، وابن خلدون، وأبي الفداء، ويوثق بعض القصاص الوضاع. هؤلاء المؤرخون يغمز قناتهم لامنس البلجيكي بينا هيس السويسري
5
يأسف لتساهل المسلمين في دراسة هذه المدنية الإسلامية البديعة التي يعجب بها علماء المشرقيات، لما يقرءون من آياتها في كتب مشاهير المؤلفين أمثال ياقوت، والبيروني، والخوارزمي، وابن خلدون إلخ، قائلا: إن المسلمين يزهدون في مدنيتهم ليتمثلوا نصف تربية أوربية في المدارس التي قلما تهتم بتعليمهم عظمة الآداب التاريخية والجغرافية والعلمية التي خلفها أجدادهم. ا.ه.