تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم تأخذ الناس ولا قادتهم هوادة فيمن كان يفتون في عضد المسلمين، ويتهمون بأن هواهم مع الصليبيين، فقد دبرت الخاتون صفوة الملك على ابنها شمس الملوك صاحب دمشق من يقتله، لما أيقنت أنه استدعى الإفرنج من بلادهم ليسلم إليهم الملك؛ ذلك لأن دمشق والمدن الداخلية عصت على الصليبيين، وحاول هؤلاء غير مرة الاستيلاء عليها، بجيوش جيشوها، ومكايد دبروها؛ فضربوا ضربة قاسية كانت لطخة في تاريخهم الحربي، ولطالما أتوا بجيوش جرارة إلى حوران، بل إلى داريا، بل إلى المرج الأخضر من ربض مدينة دمشق، ورجعوا مدحورين مخذولين، ولما شعر صاحب دمشق سنة 523 أن الباطنية فاوضوا الصليبيين ليسلموهم دمشق قتل المزدقاني وزيره الخائن، وأمر الناس فثاروا بالإسماعيلية فقتلوا منهم ستة آلاف في يوم واحد، وقيل: أكثر من ذلك، فطفئت فتنتهم، وكانوا يحاولون تسليم دمشق إلى الصليبيين، وتواعدوا وإياهم إلى يوم مخصوص يهجمون فيه عليها، وأحرق الإسماعيلية أسواق حلب في غضون ذلك فافتقر أهلها، وكثيرا ما استنجد بعض أمراء الصليبيين بالمسلمين فأنجدهم ملوكهم، واستفادوا من تفرق كلمة أعدائهم، ولم يخرج أمراء المسلمين عن القوانين الحربية، ولم يعطوا عهدا اليوم فينقضوه من الغد.

الفوائد التي عادت على المسلمين من حروب الصليبيين

وعني المسلمون عناية فائقة بفنون الحرب التي طالت أيامها، واستكثروا من السلاح والعدة والخيل والمنجنيقات والدبابات، واخترعوا أشياء في هذا الباب أدهشت الصليبيين يوم حصار عكا، وحارب المسلمون بكل ما يحسنونه من ضروب الكر والفر، وصنوف الدهاء والخديعة، وقاتلوا كما قال شاهد العيان من المؤرخين: «مرة بالأبراج، وأخرى بالمنجنيقات، ورادفة بالدبابات، وتابعة بالكباش، وآونة باللوالب، ويوما بالنقب، وليلا بالسرابات، وطورا بطم الخنادق، وآنا بنصب السلالم، ودفعة بالزحوف في الليل والنهار، وحالة في البحر في المراكب.» وصارت الحرب للمسلمين عادة وصناعة، فكان منهم من يقاتل ساعة كذا من الليل أو النهار، أو في الشهر الفلاني والموسم الفلاني؛ وذلك لئلا يتبرموا بالقتال، ويبتعدوا كثيرا عن عيالهم وأشغالهم، وقد عرض

9

صلاح الدين العساكر لما تجهز لحصار عكا، فكانت مائة وثمانية وأربعين طلبا حاضرة، ذكروا أن منها عشرين طلبا غائبة، ورأس كل طلب أمير مقدم بالطبول والأعلام والكوسات واللبوس والزردخانات، وأقل عبرة

10

الأطلاب من المائتي فارس إلى الخمسمائة غير الأتباع.

ولقد كان من هذه النازلة الصليبية أن ظهر نبوغ ولاة المسلمين في فن الحرب والسياسة، وقدر أن ينشأ ملكان نابغتان نور الدين محمود بن زنكي وصلاح الدين يوسف بن أيوب، ولولا هذه الغائلة ما ظهرت فضائلهما الكثيرة، ولا اشتهرت مزاياهما النادرة، فذكر المسلمون بسيرتهما سيرة العمرين، وأرجعت قوة نفسيهما إلى الإسلام بهاءه، ولولا الحروب الصليبية ما ظهر طغتكين نابغة السياسة والإدارة ولا نوابغ الحرب الكامل والظاهر وقلاوون والأشرف وعشرات من القواد والزعماء، ومن حسن التوفيق أن أمراء المسلمين في العهد الصليبي قدروا كلهم حرج الموقف الإسلامي فتضامنوا ولم يختلفوا، وربما لم تتألف قلوبهم في عصر من العصور السابقة واللاحقة تألفهم في تلك الأيام العصيبة، على حين كان أمراء الصليبيين يتنازعون بينهم، وربما تقاتلوا وسفكوا دماء بعضهم بعضا، ولجئوا إلى المسلمين ليستعينوا بهم على منافسيهم.

وأجمع المسلمون في مصر والشام والعراق والجزيرة (ديار بكر وديار ربيعة) وما وراءها أنهم إذا لم يشد بعضهم أزر بعض يضمحل الإسلام، ويزول سلطانه في الأنام؛ لأن من ملوك الصليبيين من كانوا يحاولون فتح الحجاز، وهو أرنولد صاحب الكرك، فأنشأ لذلك أسطولا في بحر القلزم (الأحمر) على أيلة مما يلي الشام، وسار في البحر فرقتان: فرقة أقامت على حصن أيلة تحصره ، وأخرى سارت نحو عيذاب تفني المسلمين في تلك الأرجاء، وأهان صاحب الكرك الرسول مرة بكلام روي عنه، فحلف صلاح الدين أن يقتله بيده إذا ظفر به، فتمت لصلاح الدين أمنيته في وقعة حطين، لما أخذه أسيرا مع غيره من أمرائهم وملوكهم، فأبقى عليهم كلهم وضرب عنق هذا بسيفه. وكانت وقعة حطين، وبعدها فتح الساحل والقدس، أول وقعة فاصلة بين العدوين المتقاتلين، ظهر فيها جيش الإسلام بمظهر من مظاهره العظيمة في الفتوح العربية الأولى.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٢٠