تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

في الفتح النورماني، ونجا العرب من الحروب فانصرفوا إلى العلم والآداب، ورأوا من الفاتح الجديد حاميا لهم ونصيرا، فأصبحوا في عهده بمأمن ودعة، أما روجر النورماني فقد اتهم بأنه دان بالإسلام؛ لأنه حاسن المسلمين، ولم يجعل سبيلا لرؤساء الدين من قومه إلى التسلط عليهم، فأبقى الحكام والقواد منهم في مناصبهم على ما كانوا عليه في عهد العرب، واستولى المسلمون على أزمة التجارة، وكان كبار رجال المال منهم، ورأى روجر بثقوب ذهنه أن يسير في سياسته مع السواد الأعظم من أهل الجزيرة وهم العرب، وجعل في بلاطه الأطباء والمنجمين وأرباب القرائح من المسلمين، واحتفظ بأصول العرب في الجباية، وكان يحسن العربية ويحبها، والنورمانيون جاءوا لأول أمرهم من بلاد سكاندافيا في شمالي أوروبا وظلوا مجوسا إلى القرن العاشر للميلاد وفيه انتحلوا النصرانية.

وروجر

13

هذا هو الذي استقدم الشريف الإدريسي صاحب كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» من بر العدوة ليضع له شيئا في شكل صورة العالم وبالغ في تعظيمه من وراء الغاية، وصنع له هذا الشكل فأعجب به، وأراده على أن يبقى في بلاده قائلا له: «أنت من بيت الخلافة ومتى كنت بين المسلمين عمل ملوكهم على قتلك، ومتى كنت عندي أمنت على نفسك.» فأجابه إلى ذلك، فرتب له كفاية لا تكون إلا للملوك، وطلب إليه أن يحقق أخبار البلاد بالمعاينة، لا بما ينقل من الكتب، فوقع اختيارهما على أناس ألباء فطناء أذكياء، وجهزهم روجر إلى أقاليم الشرق والغرب جنوبا وشمالا، وسفر معهم قوما مصورين ليصوروا ما يشاهدونه عيانا، وأمرهم بالتقصي والاستيعاب لما لا بد من معرفته، فكان إذا حضر أحد منهم بشكل أثبته الشريف الإدريسي حتى تكامل له ما أراد، وجعله مصنفا، وهو كتاب نزهة المشتاق.

هكذا كان روجر في معاملته علماء العرب والانتفاع بعلمهم، وقد غادر كثير من العرب الجزيرة في الفتح النورماني قاصدين إلى بر العدوة من إفريقية على السفن الكثيرة التي كانت لهم، ومنهم وهم السواد الأعظم من اختاروا المقام في الجزيرة فطاب لهم بما رأوا من الرعاية والأمنة، حتى إن ابن جبير الرحالة لما مر بالجزيرة سنة 580 أي بعد ست وتسعين سنة من خروجها عن حكم العرب، أثنى على غليام صاحبها، وقال: إنه عجيب

14

في حسن السيرة واستعمال المسلمين، وإنه كثير الثقة بهم، وساكن إليهم في أحواله، والمهم من أشغاله، وله الأطباء والمنجمون وهو شديد الحرص عليهم، وقال: إن زي النصرانيات في مدينة صقلية مثل زي نساء المسلمين يخرجن ملتحفات متنقبات.

وحرص روجر الثاني وابنه وغليام على استعمال المسلمين جريا على خطة روجر الأول؛ فتركوا لهم حريتهم، ينعمون بضياعهم وأموالهم ومتاجرهم ومصانعهم، وكان هؤلاء الملوك يحسنون العربية ويطربون لشعرها وأدبها، وكان فريدريك الثاني كثير العناية بالعربية وآدابها، وقد ضرب فيها بسهم وافر، وظلت اللغة العربية في الجزيرة اللغة الرسمية، وكان من العرب معلمون وأساتذة وعمال مهرة،

15

ولا تزال براءات ملوك النورمانيين مكتوبة بالعربية واللاتينية واليونانية، وكانت العربية إحدى اللغات التي تضرب بها نقودهم، وعليها شارتا الإسلام والنصرانية، ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط، بل كان يوضع عليها أيضا «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، واستمر الأمراء الذين خلفوا النورمانيين على ضرب نقودهم بالعربية زمنا.

وما برح النورمانيون جارين على سنن روجر الأول صاحب صقلية في الاعتماد على العرب، ورعايتهم ظاهرا وباطنا، وكذلك كان العرب في إخلاصهم حتى إن القاضي جمال الدين بن واصل قاضي القضاة بحماة الفيلسوف المؤرخ، كان أرسله الظاهر بيبرس سفيرا إلى الإمبراطور صاحب صقلية في سنة 659ه، فقال فيه: إنه كان مصافيا للمسلمين ويحب العلماء، وإنه بالقرب من البلد الذي كان فيه مدينة تسمى لوجارة، أهلها كلهم مسلمون من أهل جزيرة صقلية، تقام فيها الجمعة ويعلن بشعار الإسلام، وكان أكثر أصحاب الإمبراطور مسلمين ويعلن بالآذان والصلاة في معسكره. وقال: إنه عند توجهه من عند الإمبراطور اتفق البابا خليفة الفرنج وريدا فرنس على قصد الإمبراطور وقتاله، بسبب ميله إلى المسلمين؛ ولذلك كان البابا قد حرمه، وقد غلبه الفرنج وذبحوه، وملكوا أخا ريدافرنس في سنة 663.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١١٣