هكذا الحال في إسبانيا والبرتقال اليوم، بل في جمهوريات أميركا الجنوبية، ولا سيما أهل الأرجنتين
13
والبرازيل، وما زالت موسيقاهم وأنواع رقصهم عربية إلى اليوم أو تشبه العربية كثيرا؛ ذلك لأنها منذ كان العرب سادة إسبانيا كانت موسيقاهم قائمة على علم مقرر محرر بفضل زرياب الذي رحل من الشرق، فأدخل الموسيقى في المغرب، وعنه أخذ الأندلسيون وجيرانهم، وما فتئت الموسيقى كالرقص إلى يومنا هذا في إسبانيا أو في البلاد التي تغلبت عليها إسبانيا في سالف الدهر عربية لم يدخلها غير تعديل طفيف بحكم الزمن وطول العهد.
| مدنية العرب في الأندلس
كلام على الأندلس وفتحها
أطلقت
1
العرب على الأندلس اسم الجزيرة من باب التغليب، كما أطلقت اسم الجزيرة على شبه جزيرة العرب؛ وذلك لأن الأندلس متصلة من أقصى الشمال بجبال البرينات أو الثنايا ، وحدها عندهم مسيرة ثلاثين يوما طولا، وزهاء عشرين يوما عرضا، يطوقها البحران الظلمات والمتوسط من أطرافها الثلاثة إلا من شمالها الشرقي، ولا تعرف مساحة الأندلس على التحقيق أيام الحكم العربي، وغاية ما يقال: إن بلاد البرتقال داخلة في الأندلس وكذلك برشلونة في الشرق، ولم يبق من شبه جزيرة إيبريا أو إسبانيا والبرتقال اليوم أرض لم يصل إليها حكم العرب سوى بلاد ضئيلة وعرة من الشمال، كانت تطلق عليها العرب اسم بلاد الجلالقة وآشتوريا، أو جبال قرقشونة وجبال بنبلونة وصخرة جليقية.
فالعرب ملكوا إذا معظم شبه جزيرة إيبريا سنة 92ه على يد موسى بن نصير وطارق بن زياد، وتقدم طارق بن زياد البربري من بر العدوة
2
في اثني عشر ألف فارس من البربر وبعض العرب صيرها عسكرين قاد أحدهما بنفسه ونزل به جبل الفتح
3
فسمي جبل طارق به إلى اليوم، وقاد الآخر طريف بن مالك النخعي ونزل بمكان مدينة طريف فسمي به إلى اليوم، وقيل: إن طارقا أحرق السفن التي حملت جيشه في هذا الزقاق بين العدوتين، وخطب جيشه لما أطل عليه جيش صاحب طليطلة، فمما قال: أيها الناس
4
أين المفر، والبحر من ورائكم والعدو أمامكم، فليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأسلحته وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر
5
لكم غير سيوفكم، ولا أقوات لكم إلا ما تستخلصونه من أيدي أعدائكم، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمرا ذهبت ريحكم، وتعوضت القلوب برعبها منكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم، بمناجزة هذا الطاغية، إلى أن قال: واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلا، استمتعتم بالأرفه الألذ طويلا، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فيما حظكم فيه أوفر من حظي، وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان من بنات اليونان ... وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك من الأبطال عربانا، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارا وأختانا ...
وافتتحت برشلونة من جهة المشرق وحصون قشتالة وبسائطها من جهة الجوف، وانقرضت أمم القوط وأوى الجلالقة ومن بقي من أمم العجم إلى جبال قشتالة وأربونة وأفواه الدروب فتحصنوا بها، وأجازت عسكر المسلمين ما وراء برشلونة من دروب الجزيرة حتى احتلوا البسائط وراءها وتوغلوا في بلاد الفرنجة حتى سكن المسلمون بعد حين أربونة
Nar bonne
وصار رباطهم على نهر ردونة، وانقلب موسى إلى الخليفة الأموي بدمشق يحمل خبر الفتح، ومن الغنائم ما تحار له العقول، وعرض عليه الأسرى وكانوا من أبناء ملوك البربر وملوك الروم وملوك الإسبان وملوك إفرنجة،
6
وكان عهد الصلح مع الإسبان أن تحفظ على أهل البلاد دماؤهم، فلا يسبون ولا يفرق بينهم وبين أولادهم ونسائهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا تحرق كنائسهم، وجعلوا على كل رجل حر بالغ دينارا في السنة، وأربعة أمداد قمح وأربعة أمداد شعير ومقدارا من الطلا والخل والعسل والزيت، وعلى العبد نصف ذلك.