تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال: «بلغني عن ولاتك على البريد والأخبار في النواحي تخليط كثير ومحاباة فيما يحتاج إلى معرفته من أمور الولاة والرعية، وأنهم ربما مالوا مع العمال على الرعية وستروا أخبارهم وسوء معاملتهم للناس، وربما كتبوا في الولاة والعمال بما لم يفعلوا إذ لم يرضوهم، وهذا مما ينبغي أن تتفقده، وتأمر باختيار الثقات العدول من أهل كل بلد ومصر فتوليهم البريد والأخبار. وكيف ينبغي أن لا يقبل خبر إلا من ثقة عدل، ويجري لهم من الرزق من بيت المال وليدر عليهم، وتقدم إليهم في أن لا يستروا عنك خبرا عن رعيتك ولا عن ولاتك، ولا يزيدوا فيما يكتبون به عليك خبرا، فمن لم يفعل منهم فنكل به، ومتى لم يكن أصحاب البرد والأخبار في النواحي ثقات عدولا فلا ينبغي أن يقبل لهم خبر في قاض ولا وال. إنما يحتاط بصاحب البريد على القاضي والوالي وغيرهما فإذا لم يكن عدلا فلا يحل ولا يسع استعمال خبره ولا قبوله.»

41

بمثل هذا اللسان يتلطف أبو يوسف، وينصح لخليفته في اختيار عمال الخراج والأمناء على الأخبار لمراقبة العمال والولاة والقضاة. على أن الرشيد أخذ العمال

42

والتناء والدهاقين وأصحاب الضياع والمبتاعين للغلات والمقبلين

43

وكان عليهم أموال مجتمعة فطولبوا بصنوف من العذاب. وهذا ما دعا بعض الناس في الدولة العباسية إلى أن يقولوا: إن بني أمية

44

كانت مصائبهم في أديانهم، وإن جبايتهم وأموالهم سليمة لم يظلموا في العشر والخراج، أما بنو العباس فمع سلامة أديانهم كانت أموالهم فاسدة وجباياتهم بالظلم والغش. وأوضاع كل أمة تثقل وتخف في الميزان بحسب غناء القائمين على تطبيقها، يزنون بالقسطاس المستقيم أو يخسرون إذا كالوا أو وزنوا. ولى الرشيد أحدهم بعض أعمال الخراج، فدخل على الرشيد يودعه وعنده يحيى وجعفر بن يحيى، فقال الرشيد ليحيى: أوصياه. فقال له يحيى: وفر واعمر. وقال له جعفر: أنصف وانتصف. فقال له الرشيد: اعدل وأحسن.

وانتهى إلى علم الرشيد أن عامل الأهواز قد اقتطع مالا كثيرا من مال البلد، ولما سأله الرشيد أجاب: وحلفت بأيمان البيعة أني قد نصحت وشكرت الصنيعة ووفرت وما أسرفت ولا خنت، والله لأصدقنك عن أمري: عمرت البلاد واستقصيت حقوقك من غير ظلم، ووفرت أموالك، وفعلت ما يفعله الناصح لسيده، وكنت إذا كان وقت بيع الغلات جمعت التجار، فإذا تقررت العطايا أنفذت البيع وجعلت لي مع التجار فيه حصة، فربما ربحت وربما وضعت. إلى أن اجتمع لي من ذلك ومن غيره في عدة سنين عشرة آلاف ألف درهم فاتخذت أزجا

45

كبيرا عقد بالجص والآجر كأنه مجلس، وجعلت بين يديه موضعا أقعد فيه، وعبيت البدر شيئا بعد شيء في الأزج ثم سددته، وهو بحاله ما أشك أن العنكبوت قد نسجت على ما فيه، فخذها وحول وجهك إلى عبدك. فقال الرشيد: بارك الله لك في مالك، فارجع إلى عملك ودار رعيتك.

ولما دخل عليه عامله بدمشق يرسف في قيده قال له الرشيد: وليتك دمشق وهي جنة بها غدر تتكفأ أمواجها على رياض كالزرابي، واردة منها كفايات المؤن إلى بيوت أموالي، فما برح بك التعدي لأرفاقهم فيما أمرتك حتى جعلتها أجرد من الصخر وأوحش من القفر. قال: والله يا أمير المؤمنين ما قصدت لغير التوفير من جهة، ولكن وليت أقواما ثقل على أعناقهم الحق فتفرقوا إلى ميدان التعدي، ورأوا المراغمة بترك العمارة أوقع بإضرار الملك وأنوه بالشنعة على الولاة؛ فلا جرم أن أمير المؤمنين قد أخذ لهم بالحظ الأوفر من مساءتي.

وكان الرشيد إذا أحس من عامل له خيانة دبر له من صائب رأيه ولطف حيلته ما يدل على بعد نظره وحسن إدارته وجميل تدينه، وشدة غيرته على مصلحة ملكه، فيمسك أقصر الطرق إلى القضاء على الفتن الملحوظة والغوائل المستجنة، فيضرب على المسيء بسيفه وسنانه، كما يغمر المحسن بإنعامه وإحسانه. أراد مرة أن يعزل علي بن عيسى عن خراسان - وخراسان كثيرا ما كانت تشغل بال الرشيد كما شغلت بال أسلافه - فدعا هرثمة بن أعين مستخليا به فقال: إني لم أشاور فيك أحدا، ولم أطلعه على سري فيك، وقد اضطربت علي ثغور المشرق، وأنكر أهل خراسان أمر علي بن عيسى إذ خالف عهدي ونبذه وراء ظهره، وقد كتب يستمد ويستجيش، وأنا كاتب إليه أخبره أني أمده بك، وأوجه إليه معك من الأموال والسلاح والقوة والعدة ما يطمئن إليه قلبه، وتتطلع إليه نفسه، وأكتب معك كتابا بخطي فلا تفتضه، ولا تطلعن فيه حتى تصل إلى مدينة نيسابور، فإذا نزلتها فاعمل بما فيه وامتثله ولا تجاوزه إن شاء الله. وأنا موجه معك رجاء الخادم بكتاب أكتبه إلى علي بن عيسى بخطي؛ ليتعرف ما يكون منك ومنه، وهون عليه أمر علي فلا تظهرنه عليه، ولا تعلمنه ما عزمت عليه، وتأهب للمسير، وأظهر لخاصتك وعامتك أني أوجهك مددا لعلي بن عيسى وعونا له. ثم كتب إلى علي بن عيسى كتابا بخطه نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم. يا ابن الزانية، رفعت من قدرك، ونوهت باسمك، وأوطأت سادة العرب عقبك، وجعلت أبناء ملوك العجم حولك وأتباعك، فكان جزائي أن خالفت عهدي، ونبذت وراء ظهرك أمري، حتى عثت في الأرض، وظلمت الرعية، وأسخطت الله وخليفته، بسوء سيرتك، ورداءة طعمتك، وظاهر خيانتك، وقد وليت هرثمة بن أعين مولاي ثغر خراسان، وأمرته أن يشدد وطأته عليك، وعلى ولدك وكتابك وعمالك، ولا يترك وراء ظهوركم درهما ولا حقا لمسلم ولا معاهد إلا أخذكم به، حتى ترده إلى أهله. فإن أبيت ذلك وأباه ولدك وعمالك، فله أن يبسط عليكم العذاب، ويصب عليكم السياط، ويحل بكم ما يحل بمن نكث وغير، وبدل وخالف، وظلم وتعدى وغشم؛ انتقاما لله - عز وجل - بادئا، ولخليفته ثانيا، وللمسلمين والمعاهدين ثالثا، فلا تعرض نفسك للتي لا سوى لها، واخرج مما يلزمك طائعا أو مكرها.»

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٥٩