تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

وحلف أن يضرب عنق كل من يقف على بابها من قواده وخاصته وخدمه قائلا لها: أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكرك، أو بيت يصونك؟ إياك ثم إياك أن تفتحي فاك في حاجة لملي أو ذمي. فعملت والدته بما رسم لها ابنها، وكانت في أول خلافة الهادي تفتات

32

عليه في أموره، وتسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر

33

والنهي. أما ابنها فكان من رأيه أنه «ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك.» وقال: «ما للنساء والكلام في أمر الرجال؟!» ولما كان في آخر أيامه من الدنيا استدعاها وقال لها: قد كنت نهيتك عن أشياء وأمرتك بأخرى على ما أوجبته سياسة الملك لا موجبات الشرع من برك، ولم أكن عاقا بل كنت لك صائنا وبرا واصلا. ثم قضى نحبه قابضا على يدها واضعا لها على صدره. وبإبعاد الهادي النساء عن الوساطات والشفاعات عمل بوصية جده المنصور لابنه المهدي، وجعل أمور الدولة تسير في قواعدها المرعية على ما تقضي به أحكام الشرع والعقل، ويراه الوزراء والأمراء والقضاة. وكان الهادي جبارا عظيما، وهو أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة، والأعمدة المشهورة، والقسي الموتورة، فسلكت عماله طريقته، ويمموا منهجه، وكثر السلاح في عصره.

سار الرشيد في إدارته على نهج قويم، وأعاد إلى الخلافة رونقها الذي كان لها على عهد جده المنصور، وما كان بالمسرف ولا بالمبخل، وسمى الناس أيامه «أيام العروس» لنضارتها وكثرة خيرها وخصبها. وكانت دولته

34 «من أحسن الدول وأكثرها وقارا ورونقا وخيرا وأوسعها رقعة مملكة: جبى الرشيد معظم الدنيا وكان أحد عماله صاحب مصر.» وقلد وزارته يحيى بن خالد، وقال له: «قد قلدتك أمر الدولة وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب، واستعمل من رأيت، واعزل من رأيت، وأمض الأمور على ما ترى.» ودفع إليه خاتم الخلافة. أما الولايات: فقد فوضها لأمراء جعل لهم الولاية على جميع أهلها، ينظرون

35

في تدبير الجيوش والأحكام، ويقلدون القضاة والحكام، ويجبون الخراج ويقبضون الصدقات، ويقلدون العمال فيها، ويحمون الدين، ويقيمون حدوده، ويؤمون في الجمع والجماعات أو يستخلفون عليها، ويسيرون الحج من أعمالهم، فإن كانت أقاليمهم ثغرا متاخما للعدو تولوا جهاده.

وما قسمت أعمال الدولة منذ انتقالها إلى بني العباس تقسيمها في زمن الرشيد؛ ولذلك كان للخليفة وقت ليحج ووقت ليغزو، ووقت ليصطاف ويرتبع في الرقة، ويترك قصر الخلد في بغداد. ولقد كان الروم من جيوش الرشيد في بلية فما غزتهم مرة إلا وحالفها التوفيق، وبعث صاحب الروم جزية رأسه وبطارقته، وجرى الفداء بين الروم والعرب حتى لم يبق من المسلمين أسير واحد بأيدي الروم، وما اشتعلت فتنة في أرجاء مملكته إلا أطفأها، ومنها: فتنة النزارية واليمانية في الشام؛ أي قيس ويمن عادوا إلى ما كانوا عليه فقتل منهم بشر كثير، فأرسل عليهم إبراهيم بن محمد المهدي واليا؛ ففكر أن يعمد إلى طرق إدارية لقطع شأفة هذه الغائلة، فرأى أن يلهيهم بقشور، ويتقرب من قلوبهم بما يستميلها ولا يصدعها، فسار في استقبالهم على قانون من «التشريفات» أو «البروتوكول» أرضاهم به وما تكلف شيئا، فقد أمر حاجبه بإحضار وجوه الحيين، وأمره بتسمية أشرافهم، وأن يقدم من كل حي الأفضل فالأفضل منهم، فأمر بتصيير أعلى الناس من الجانب الأيمن مضريا وعن شماله يمانيا، ومن دون اليماني مضري ومن دون المضري يماني، حتى لا يلتصق مضري بمضري ولا يماني بيماني، فلما قدم الطعام قال قبل أن يطعم شيئا: «إن الله - عز وجل - جعل قريشا موازين بين العرب، فجعل مضر عمومتها، وجعل يمن خئولتها، وافترض عليها حب العمومة والخئولة، فليس يتعصب قرشي إلا للجهل بالمفترض عليه.» ثم قال: «يا معشر مضر كأني بكم وقد قلتم إذا خرجتم لإخوانكم من يمن قد قدم أميرنا مضر على يمن، وكأني بكم يا يمن قد قلتم وكيف قدمكم علينا، وقد جعل بجانب اليماني مضريا وبجانب المضري يمانيا؟ فقلتم يا معشر مضر: إن الجانب الأيمن أعلى من الجانب الأيسر، وقد جعلت الأيمن لمضر والأيسر ليمن، وهذا دليل على تقدمته إيانا عليكم. ألا إن مجلسك يا رئيس المضرية في غد من الجانب الأيسر، ومجلسك يا رئيس اليمانية في غد من الجانب الأيمن. وهذان الجانبان يتناوبان بينكما، يكون كل من كان في جهته متحولا عنه في غده إلى الجانب الآخر.» فانصرف القوم كلهم حامدا، وبمثل هذه القوانين الإدارية رجع السلام إلى الشام ست سنين، واستراحت من العصبية الجاهلية وبأو

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٥٧