ومن أهم ما ذكره به أمر الأرضين والخراج. قال: «فليس للعمال أمر ينتهون إليه ولا يحاسبون عليه، ويحول بينهم وبين الحكم على أهل الأرض بعدما يتأنقون لها في العمارة، ويرجون لها فضل ما تعمل أيديهم، فسيرة العمال فيهم إحدى ثنتين: إما رجل أخذ بالخرق والعنف من حيث وجد، وتتبع الرجال والرساتيق بالمغالاة ممن وجد، وإما رجل صاحب مساحة يستخرج ممن زرع، ويترك من لم يزرع فيعمر من يعمر ويسلم من أخرب.» وأراده على أن يعمل رأيه «في التوظيف على الرساتيق والقرى والأرضين وظائف معلومة، وتدوين الدواوين بذلك، وإثبات الأصول حتى لا يؤخذ رجل إلا بوظيفة قد عرفها وضمنها، ولا يجتهد في عمارة إلا كان له فضلها ونفعها» ليكون في ذلك صلاح للرعية، وعمارة للأرض، وحسم لأبواب الخيانة وغشم العمال. قال: «وهذا رأي مؤنته شديدة، ورجاله قليل، ونفعه متأخر، وليس بعد هذا في أمر الخراج إلا رأي قد رأينا أمير المؤمنين أخذ به، ولم نره من أحد قبله، من تخير العمال وتفقدهم.»
ثم ذكره بجزيرة العرب، وأن يختار لولايتها الخيار من أهل بيته وغيرهم؛ لأن ذلك من تمام السيرة العادلة والكلمة الحسنة التي قد رزق أمير المؤمنين وأكرمه بها من الرأي الذي هو بإذن الله حمى ونظام لهذه الأمور كلها في الأمصار والأجناد والثغور والكور. ومما قاله في خاتمة كتابه: «إن بالناس من الاستخراج
27
والفساد ما قد علم أمير المؤمنين، وبهم من الحاجة إلى تقويم آدابهم وطرائقهم ما هو أشد من حاجتهم إلى أقواتهم التي يعيشون بها. وأهل كل مصر وجند أي ثغر فقراء إلى أن يكون لهم من أهل الفقه والسير والنصيحة مؤدبون مقومون، يذكرون ويبصرون الخطأ، ويعظون عن الجهل، ويمنعون عن البدع، ويحذرون الفتن، ويتفقدون أمور عامة من هو بين أظهرهم حتى لا يخفى عليهم منها مهم، ثم يستصلحون ذلك، ويعالجون على ما استنكروا منه بالرأي والرفق والنصح، ويرفعون ما أعياهم إلى ما يرجون قوته عليهم، مأمونين على سير ذلك وتحصينه، بصراء بالرأي حين يبدو، وأطباء باستئصاله قبل أن يتمكن، وفي كل قوم خواص رجال عندهم على هذا معونة إذا صنعوا لذلك وتلطف لهم، وأعينوا على رأيهم، وقووا على معاشهم ببعض ما يفرغهم لذلك ويبسطه لهم. وخطر هذا جسيم في أمرين: أحدهما برجوع أهل الفساد إلى الصلاح، وأهل الفرقة إلى الألفة، والأمر الآخر أن لا يتحرك متحرك في أمر من أمور العامة إلا وعين ناصحة ترمقه، ولا يهمس هامس إلا وأذن شفيقة تصيخ نحوه.» قال: «وقد علمنا علما لا يخالطه الشك أن عامة قط لم تصلح من قبل أنفسها، ولم يأتها الصلاح إلا من قبل خاصتها، وأن خاصة قط لم تصلح من قبل أنفسها، وأنها لم يأتها الصلاح إلا من قبل إمامها ... فإذا جعل الله فيهم خواص من أهل الدين والعقول ينظرون إليهم، ويسمعون منهم، اهتمت خواصهم بأمور عوامهم، وأقبلوا عليه بجد ونصح ومثابرة وقوة، جعل الله ذلك صلاحا لجماعتهم، وسببا لإصلاح الصلاح من خواصهم، وزيادة فيما أنعم الله به عليهم، وبلاغا إلى الخير كله، وحاجة الخواص إلى الإمام الذي يصلحهم الله به كحاجة العامة إلى خواصهم وأعظم من ذلك.»
هذه زبدة تقرير ابن المقفع للمنصور، وفيه صورة جميلة مما تحتاجه إدارة البلاد من الإصلاح، وما يجب القيام به لاستصلاح الجند والرفق بأهل الكوفة والبصرة، والعناية بأهل العراق والعطف على الحجاز واليمن واليمامة، واختيار العمال الكفاة والرجوع إلى أهل الرأي، واصطناع أرباب العقل من أهل الشام وإشارة إلى أن بغضهم بني العباس من الأمور الطبيعية؛ لأن الملك كان فيهم فانتقل إلى غيرهم، وعرفه الطرق إلى استصلاح العامة، واختيار الخاصة من الأصحاب والموالين إلى غير ذلك من الأمور التي يمكن تطبيقها لعمران البلاد ورفع الحيف عن الخلق، والانتفاع بالقوى المفيدة للرعية وأرضهم. ومن أهم ما وقفنا عليه هذا التقرير أن الأمة لم تعدم في إبان مجدها رجالا يدلونها على مواطن الضعف من سلطانها، ومعالجة الإصلاح بالعقل حتى يبلغ كماله، والأخذ في كل أمر من أمور الدولة بالحزم النافع والمصلحة الشاملة.