تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

وعزله.

لم ينفتق على المنصور في ملكه الواسع خرق إلا سده؛ لأن جيشه كثير، وآلته تامة، وقواده يعرفون منه أن من سياسته أن يقتل على التهمة؛ فهم يصدعون بأمره كله، ولا يخرمون منه مادة واحدة. احتل الروم طرابلس الشام وظهر في الشام رجل من أهل المنيطرة

19 (142-143) وسمى نفسه ملكا، ولبس التاج وأظهر الصليب، واجتمع أنباط جبل لبنان وغيرهم، ثم استفحل أمرهم فظهر عليهم الجيش العباسي، فأمر أمير دمشق بإخراج من بقي في الجبل، وتفريقهم في بلاد الشام وكورها، فكان هذا التدبير الإداري مما انتقده الإمام الأوزاعي بشدة؛ لأنه إن كان من نصارى لبنان المعتدي على حقوق السلطان، فإن منهم البريء، وليس من الجائز

20

أن يجلى عن أرضه ويعامل الطائع كالعاصي.

كان المنصور في أكثر أموره وسياسته وتدبيره متبعا في أفعاله لهشام بن عبد الملك؛ لكثرة ما كشفه من أخبار هشام وسيرته، وكان يقول إنه - أي هشام - فتى القوم أي رجل بني أمية. وقال: الملوك ثلاثة: معاوية وكفاه حجاجه، وعبد الملك وكفاه زياده، وأنا ولا كافي لي. وكان يقول لأهل بيته: إني لأجهل موضعي حتى أحذر منكم؛ لأنه ما فيكم إلا عم وأخ وابن عم وابن أخ، فأنا أراعيكم ببصري، وأهتم بكم بنفسي فالله الله في أنفسكم فصونوا، وفي أموالكم فاحتفظوا بها، وإياكم والإسراف فيوشك أن تصيروا من ولد ولدي إلى من لا يعرف الرجل حتى يقول له: من أنت؟

وكان المنصور آية في الإشراف على عماله وإرادتهم على العدل، يهددهم بالعقوبات إذا ولاهم، وأكثرهم يصححون ويناصحون، ويختار أهل البلاء منهم. ولقد وفد عليه قاضي إفريقية، وكان رفيقه في طلب العلم، فسأله كيف رأيت سلطاني من سلطان بني أمية؟ وكيف ما مررت به من أعمالنا حتى وصلت إلينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، رأيت أعمالا سيئة وظلما فاشيا، والله يا أمير المؤمنين ما رأيت في سلطانهم شيئا من الجور والظلم إلا رأيته في سلطانك، وكنت ظننته لبعد البلاد منك، فجعلت كلما دنوت كان الأمر أعظم. فنكس الخليفة رأسه طويلا ثم رفعه، وقال: كيف لي بالرجال؟ فقال القاضي: أليس عمر بن عبد العزيز كان يقول: إن الوالي بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها، فإن كان برا أتوه ببرهم، وإن كان فاجرا أتوه بفجورهم. ووعظ الأوزاعي المنصور فقال له: إن السلطان أربعة: أمير يظلف

21

نفسه وعماله، فذلك أجر المجاهد في سبيل الله وصلاته سبعون ألف صلاة، ويد الله بالرحمة على رأسه ترفرف، وأمير رتع ورتع عماله فذلك يحمل أثقاله وأثقالا مع أثقاله، وأمير يظلف نفسه ويرتع عماله فذاك الذي باع آخرته بدنيا غيره، وأمير يرتع ويظلف عماله فذاك شر الأكياس.

كان المنصور يقول لابنه: يا أبا عبد الله، ليس العاقل الذي يحتال للأمر الذي وقع فيه حتى يخرج منه، ولكنه الذي يحتال للأمر الذي غشيه حتى لا يقع فيه. وكتب إليه عامله على إرمينية يخبره أن الجند شغبوا عليه ونهبوا ما في بيت المال، فوقع في كتابه: «اعتزل عملنا مذموما مدحورا، فلو عقلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا.» ولقد حدث أن المنصور ولى المدينة رياح بن عثمان فخطب أهلها يهددهم، ويقول: «أنا الأفعى بن الأفعى، أنا ابن عثمان بن حيان وابن عم مسلم بن عقبة، المبيد خضراءكم، المفني رجالكم، والله لأدعنها بلقعا لا ينبح فيها كلب.» فوثب عليه قوم منهم وكلموه، وقالوا: والله يا ابن المجلود حدين لتكفن أو لنكفنك عن أنفسنا. فكتب الوالي إلى المنصور يخبره بسوء طاعة أهل المدينة فأرسل المنصور إلى رياح رسولا وكتب معه كتابا يقول فيه: «وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن لم تنزعوا ليبدلنكم بعد أمنكم خوفا، وليقطعن البر والبحر عنكم، وليبعثن عليكم رجالا غلاظ الأكباد بعاد الأرحام.» فلما قرئ عليهم نادوه من كل جانب كذبت يا ابن المجلود حدين، ورموه بالحصا وبادر بالمقصورة فأغلقها. فدخل عليه أيوب بن سلمة المخزومي فقال: أصلح الله الأمير إنما تصنع هذا رعاع الناس. وقال بعض من حضر من وجوه بني هاشم: لا نرى هذا، ولكن أرسل إلى وجوه الناس وغيرهم من أهل المدينة فاقرأ عليهم كتاب المنصور. فجمعهم وقرأ عليهم فقالوا: ما أمرتنا فعصيناك ولا دعوتنا فخالفناك. وانفض الأمر بسلام.

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٥٢