إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل
فأقبل صنف تاسع منها فأخذ كلها، تلكم الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله. ا.ه. والله أعلم بمقدار ما في هذا الخطاب - على جلالة قدر صاحبه - من الخطأ والخطل، وفي حديث علي: «وأما إخواننا بنو أمية فقادة ذادة.» والذادة جمع ذائد وهو الحامي الدافع، قيل: أراد أنهم يذودون عن الحرم،
134
ولكن غضب العربي في رأسه فإذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسانه أو يده كما قال ابن عياش.
لا جرم أن إدارة الأمويين لم تكن في كل أيام خلفائهم بريئة من العيوب، ولم تضعف في الحقيقة إلا في أيام يزيد بن الوليد، وكان على غير طريقة أسلافه في أعماله. وكان آخرهم مروان بن محمد على عظم همته وشدة بأسه مشغولا بالدفع عن الخلافة، وكثرت الفتوق، فضعفت إدارة المملكة. كانت حكومتهم عربية صرفة يتولاها أهل البيوتات والأشراف على الأكثر. وقيل: إن من أوكد الأسباب في زوال سلطان بني أمية استتار الأخبار عنهم، وإغضاب قواد الدولة، وانقسام البيت الأموي على نفسه بسبب ولاية العهد. ثم كان تأخير العطاء عن الجند فظاهروا غيرهم من العباسيين، ولم يقاتلوا بإخلاص للخليفة كما كانوا من قبل. وساعد التوسع في الفتوح على عهد هشام على اختلال نظام الدولة؛ فاتسعت دائرة ملكهم إلى ما لم تبلغه دولة الرومان. ثم إن انقسام العرب في خراسان إلى مضرية ويمانية، وتنازع رؤسائهم على الولاية كان من الأسباب المسهلة لقيام الدعوة العباسية في خراسان نفسها، ولم يغن عن الأمويين من قتل من دعاة العباسيين الذين عملوا لدولتهم في أرض أعدائهم وتحت سمع عمالهم وبصرهم.
| هوامش
| إدارة العباسيين
تدابير السفاح والمنصور
اختار محمد بن علي بن عبد الله بن العباس - يوم قام يدعو لآل العباس، ويحاول انتزاع الملك من الأمويين - بلاد خراسان ميدانا لإظهار دعوته؛ لأنه كان جازما كل الجزم أن أهل الشام والجزيرة والعراق والحجاز لم يكن هواهم مع آل العباس، بل كانوا متشبعين بالروح الأموي يعلنون في سرهم وجهرهم ولاء بني مروان، وأن في أهل خراسان «العدد الكثير، والجلد الظاهر، وهناك صدور سليمة، وقلوب فارغة، لم تتقسمها الأهواء، ولم تتوزعها النحل، ولم يقدم عليها الفساد، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب وأصوات هائلة، ولغات فخمة تخرج من أجواف
1
منكرة.» وليس فيهم التحزب للقبيلة
2
والعصبية للعشيرة، وهم مظلومون يؤملون الدول، ولم يكونوا على العهد الأموي محل الرعاية، وأقصاهم الأمويون عن الحكومة، وجلبوا لهم العمال من الأحزاب العربية. وإن أهل خراسان لم يزالوا في أكثر ملك العجم لقاحا
3
لا يؤدون إلى أحد إتاوة ولا خراجا،
4
فلما كان الإسلام صالحوا عن بلادهم فخف خراجهم، ولم تسفك بينهم الدماء.
وأخذ الدعاة يدعون إلى الرضا من آل محمد، ومن مرو الشاهجان ظهرت دولة بني العباس في سنة 127 وفي دار شخص منها يعرف بأبي النجم المعيطي صبغ أول سواد لبسته المسودة.
5
وفي شهر رمضان سنة 129 نشر العلم الأسود على خراسان، وكان الخراج يجبى لإبراهيم الإمام وهو في الشام والحجاز، ولا مال لديه ولا نشب. ومروان بن محمد الجعدي الخليفة الأموي المبايع ومعه الجند والسلاح والمال والدنيا جميعها عنده ينتثر ملكه عقدة عقدة. وقلما سمع أهل بلد بجيش خراسان إلا سودوا أي لبسوا السواد شعار بني العباس قبل أن يوافيهم، ونزعوا البياض شعار الأمويين المبيضين. وجيش خراسان أي الجيش العباسي على قلته يغلب وجيوش الأمويين على كثرتها تتوالى هزائمها. ويكتب كاتب مروان عبد الحميد بن يحيى كتابا إلى أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة باسم مروان، ويضمنه ما لو قرئ لأوقع الاختلاف بين أصحاب أبي مسلم، وكان من كبر حجمه يحمل على جمل،