وما أثر عن يزيد أنه غير شيئا من أصول إدارة أبيه؛ لاستغراق حرب الحسين بن علي في العراق وعبد الله بن الزبير في الحجاز معظم أوقاته، أما ابنه وخليفته معاوية الصغير أو الثاني فكانت خلافته أياما، وما أراد أن يدخل في شيء من مهامها.
كان مروان كمعاوية آية في عقله وسياسته وتدبيره، درس الإدارة زمنا طويلا في الحجاز، وعرف ما يفسد الناس ويصلحهم، وما يهيجهم ويسكنهم، ولكن أمره لم يطل كثيرا، وتستبين محاسنه في تدبيره الملك مما وقع لابنه عبد العزيز معه؛ فإن مروان لما ولي الخلافة جاء إلى مصر فأقام بها شهرين، ثم جعل ولايتها إلى ابنه عبد العزيز؛ جعل إليه صلاتها وخراجها فقال عبد العزيز:
45
يا أمير المؤمنين كيف المقام ببلد ليس به أحد من بني أبي؟ فقال مروان: يا بني، عمهم بإحسانك يكونوا كلهم بني أبيك، واجعل وجهك طلقا تصف لك مودتهم، وأوقع إلى كل رئيس منهم أنه خاصتك دون غيره، يكن عينا لك على غيره
46
وينقاد قومه إليك، وقد جعلت معك أخاك بشرا مؤنسا، وجعلت لك موسى بن نصير وزيرا ومشيرا، وما عليك يا بني أن تكون أميرا بأقصى الأرض، أليس ذلك أحسن من إغلاق بابك وخمولك في بيتك.
هكذا دبر مروان ابنه ليخرجه في الإدارة ويعلمه حكم الناس، جعل له موسى بن نصير وزيرا، وهو ما هو بعلمه وعقله وحسن سياسته، وفارق موسى أميره عبد العزيز بعد حين ذاهبا إلى إفريقية والمغرب، فقضى على البربر والرومان، ثم فتح الأندلس. أما بشر بن مروان مؤنس أخيه يوم تولى مصر، فقد تقلد البصرة والكوفة فكان الناس يدخلون عليه من غير استئذان، ليس على بابه حجاب ولا ستر، ولابن عبدل في بشر بن مروان:
ولو شاء بشر كان من دون بابه
طماطم سود أو صقالبة حمر
ولكن بشرا أسهل الباب للتي
يكون لبشر عندها الحمد والأجر
بعيد مراد العين ما رد طرفه
حذار الغواشي باب دار ولا ستر
استعمل عبد الملك بشرا، وأمره بالشدة والغلظة على أهل المعصية
47
وباللين على أهل الطاعة، وخلف معه أربعة آلاف من أهل الشام منهم روح بن زنباع ورجاء بن حيوة الكندي، وهما من أمثل رجال بني أمية وأعلمهم وأسوسهم. وكان من سياسة بشر أو من سياسة دولته عامة أنه إذا ضرب البعث
48
على أحد من جنده ثم وجده قد أخل بمركزه أقامه على كرسي، ثم سمر يديه في الحائط، ثم انتزع الكرسي من تحت رجليه فلا يزال يتخبط حتى يموت. وبهذه الشدة على المجندين ما كانت تحدث أحدا نفسه بالهزيمة من الخدمة، وكان جيش أمية أطوع جيش عربي. ولا يستغربن أحد هذه الشدة فجزاء الفار من الجندية في يومنا هذا القتل.
رأينا عبد العزيز بن مروان أمير مصر، وما كان من نصيحة أبيه له في سياسة الرؤساء ليسلس له قياد المرءوسين، وكيف لقنه أبوه أقرب الطرق إلى استمالة القلوب، وكان عند حسن ظنه به، فجاء عبد العزيز نابغة في إدارته، عمرت مصر في أيامه عمرانا ليس مثله، ومما بنى في حلوان الدور والمساجد وغيرها أحسن
49
عمارة وأحكمها، وغرس نخلها وكرمها، وكان له ألف جفنة
50
كل يوم تنصب حول داره ومائة جفنة يطاف بها على القبائل تحمل على العجل إلى قبائل مصر.
ولي عبد العزيز مصر فكان خراجها وجبايتها إليه، فلم يوجد له مال ناض
51
يوم موته إلا سبعة آلاف دينار، وكانت ولايته على مصر عشرين سنة وعشرة أشهر وثلاثة عشر يوما، على حين لما مات عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وكان عاملا على مصر ترك ثمانين مدا من الذهب، وتقدم إليه أبوه أن يعفي آثار عمه عبد العزيز لمكانه من ولاية العهد فاستبدل بالعمال عمالا وبالأصحاب أصحابا؛ ذلك لأن عبد العزيز لم يرض أن ينزل عن ولاية العهد لابن أخيه في حياته، وعبد العزيز هو والد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي العادل.
وجرى عبد الملك بن مروان في إدارة الملك على طريقة والده وطريقة معاوية في تخريج آله وعماله في سياسة البلاد، فزادت الأمور استقرارا، والأعمال تسلسلا، والعمال رغبة ورهبة، والرعايا أمنا ودعة. وكثيرا ما كان يعمد إلى الشدة لا تأخذه رأفة بخصوم دولته. قتل مصعب بن الزبير، وكان أحب الناس إليه، وأشدهم له إلفا ومودة، وقال في الاعتذار عن عمله: «ولكن الملك عقيم.»