تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يحدث أبو بكر في أيامه أحداثا جديدة، والفتوح لم تقف مع حروب الردة، ووجه وجهته نحو الشام، وكان آخر جيش جهزه جيش اليرموك، جهزه بكل حكمة، وبذل في تنظيمه أقصى الجهد، وجعل فيه قاضيا، وجعل أبا سفيان بن حرب قاصا يسير في الجماعة ويقول: الله الله عباد الله انصروا الله ينصركم، اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك، يا نصر الله اقترب يا نصر الله اقترب. وقصاص الجند يقصون عليهم أخبار الوقائع والفروسية ليقووا قلوبهم، وقيل: إن تميما الداري كان أول من قص في مسجد الرسول في عهد عمر، كان يذكر المسلمين بالله، ويقص عليهم قصصا وأحاديث عن الأمم الماضية وأساطير وحكايات. •••

كانت أول خطبة خطبها عمر بن الخطاب لما ولي الخلافة: «أيها الناس، إنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ له الحق، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه.» وما كان عمر ممن أولع بإلقاء الخطب كثيرا على بلاغة فيه مستحكمة وعلم غزير، ولا يرتقي المنبر إلا إذا قضت الضرورة وأراد بيان أمر ذهبت فيه نزوات النفوس مذهبا لا يرضاه، وكثيرا ما قال: إن هذا الأمر لا يصلح فيه إلا اللين في غير ضعف، والقوي في غير عنف. وكذلك كان عمر يجمع بين اللين والشدة، وهو إلى هذه ولا سيما على عماله أقرب. وإذا كان أكبر رجال الإدارة تحصى عليهم عشرات من الأغلاط فإن عمر لا يستطيع أكبر الناقدين أن يحصي عليه غلطتين أو ثلاثا، وقد يجاب عليها بأن ذلك محض اجتهاد منه، والمجتهد قد يصيب ويخطئ. والحكم الآن على مسائل لم تتجل كل التجلي بما نقله الناقلون، وما أحاط بها من أحوال دقيقة غير مرئية، يدعونا إلى أن نمسك عن إرسال القول في النقد، ولا سيما نقد رجل عقمت أمم كثيرة أن تنبغ أفضل منه وأعظم.

وطريقة عمر في الإدارة طريقة أبي بكر وصاحبه من قبل؛ إطلاق الحرية للعامل في الشئون الموضعية، وتقييده في المسائل العامة، ومراقبته في خلوته وجلوته. «وكان

10

علمه بمن نأى عنه من عماله ورعيته، كعلمه بمن بات معه في مهاد واحد وعلى وساد واحد، فلم يكن له في قطر من الأقطار ولا ناحية من النواحي عامل ولا أمير جيش إلا وعليه له عين لا يفارقه ما وجده، فكانت ألفاظ من بالمشرق والمغرب عنده في كل ممسى ومصبح. وأنت ترى ذلك في كتبه إلى عماله وعمالهم حتى كان العامل منهم ليتهم أقرب الخلق إليه وأخصهم به.» وكان كما قال المغيرة بن شعبة: أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع.

كان إذا استعمل العمال خرج معهم يشيعهم

11

فيقول: إني لم أستعملكم على أمة محمد على أشعارهم ولا على أبشارهم، وإنما استعملتكم عليهم لتقيموا بهم الصلاة وتقضوا بينهم بالحق، وتقسموا بينهم بالعدل، لا تجلدوا العرب فتذلوها ولا تجمروها

12

فتفتنوها، ولا تغفلوا عنها فتحرموها، جودوا القرآن وأقلوا الرواية عن محمد

صلى الله عليه وسلم

وأنا شريككم. وكان يقص من عماله، وإذا شكي إليه عامل جمع بينه وبين من شكاه، فإن صح عليه أمر يجب أخذه به أخذه. وكان إذا بعث أمراء الجيوش يوصيهم بتقوى الله، وأن لا يعتدوا، ولا يجبنوا عن اللقاء، ولا يمثلوا عند القدرة، ولا يسرفوا عند الظهور، ولا يقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا، وأن يتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند حمة النهضات وفي شن الغارات، وأن لا يغلوا عند الغنائم، وينزهوا الجهاد عن عرض الدنيا.

وكان عمال عمر عرضة لكشف أحوالهم مهما بلغ من منزلتهم، وكان إذا شكي

13

إليه عامل أرسل محمد بن مسلمة يكشف الحال، وله عدة طرق في كشف سيرة عماله، منها أن يأمر عماله أن يوافوه بالموسم، فإذا اجتمعوا قال: «أيها الناس، إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم، إنما بعثتم ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم.» فما قام إلا رجل واحد فقال: إن عاملك فلانا ضربني مائة سوط، قال: فيم ضربته؟ قم فاقتص منه. فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، إنك إن فعلت هذا يكثر عليك، ويكون سنة يأخذ بها من بعدك. فقال: أنا

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ١١