ثم عادت أحوال الأندلس فاختلت اختلالا مفرطا آخر دولة أمير المسلمين علي بن يوسف أوجب ذلك «تخاذل المرابطين وتواكلهم، وميلهم إلى الدعة، وإيثارهم الراحة، وطاعتهم النساء، فهانوا على أهل الجزيرة، وقلوا في أعينهم، واجترأ عليهم العدو، فاستولى على كثير من الثغور المجاورة لبلادهم.» حتى جاء الموحدون كما كان المرابطون من قبل بدعوة عقلاء الأندلس وأمرائها، وقد كانوا يدعونهم إلى نصرتهم بضروب الفصاحة من الشعر والنثر، ويستنفرون الناس من العدوة.
لما اشتد الحصار على أهل إشبيلية سنة 645 صنع إبراهيم بن سهل الإسرائيلي قصيدة يستنفر بها الغزاة من العدوة، ويستنصر بأمراء العرب، وذلك إذ كان العدو عليها، قال فيها:
يا معشر العرب الذين توارثوا
شيم الحمية كابرا عن كابر
إن الإله قد اشترى أرواحكم
بيعوا ويهنئكم وفاء المشتري
أنتم أحق بنصر دين نبيكم
وبكم تمهد في قديم الأعصر
إلى أن قال:
والخيل تضجر في المرابط عرة
ألا تجوس حريم رهط الأصفر
كم نكروا من معلم، كم دمروا
من معشر، كم غيروا من مشعر
كم أبطلوا سنن النبي، وعطلوا
من حلية التوحيد صهوة منبر
إلى أن قال:
عند الخطوب النكر يبدو فضلكم
والنار تخبر عن ذكاء العنبر
لو صور الإسلام شخصا جاءكم
عمدا بنفس الوامق المتحير
ولو انه نادى النصير لخصكم
ودعاكم يا أسرتي يا معشري
نعم، كانت التفرقة بين أمراء العرب في الأندلس مما علم أعداءهم كيف يتحدون ليدفعوهم عن أرضهم، كما وقع للعرب في صقلية سنة 413 فإنهم بعد أن دافعوا عنها جيوش البيزنطيين والنورمانديين والروسيين والفاكريكيين قسموا صقلية إلى إمارات صغرى؛ فأنشئوا جمهورية في بلرم، وأخرى في سرقوزة، وكان ذلك من أكبر الدواعي في زوال سلطانهم. لا جرم أن ضعف الوازعين الديني والمدني من ميل القوم إلى الراحة والدعة، وضعف الأخلاق الحربية فيهم، وانتشار الفوضى في أحكامهم كان منه أن تأذن الله بذهاب ريحهم لا كما يدعي بعض العامة من أن رواج سوق الشعر كان السبب في زوال الأندلس، وتبديد شمل أهلها، فقد كان الشعر عندهم من جملة المسليات؛ لأن للعرب عامة غراما به، والأدب وسيلة إلى العلوم كافة، والعرب أمة أولعت منذ عرف تاريخها بالفصاحة والبلاغة.
ومن تدبر سير الحروب بين العرب والإسبان والبرتغاليين في المدة التي ارتفعت فيها أعلام المسلمين على الأندلس يدرك أن القوتين قوة الغالب والمغلوب كانت متعادلة في أكثر الأيام، ولكن تكتب الغلبة للفريق الذي كان جنده منظما أحسن من جند خصمه، وكان بعض خلفاء الأندلس يعتمدون على جنودهم من الرقيق كالصقالبة وغيرهم، ويعفون رعاياهم من التجنيد، على حين كان زعماء الإسبان يصرفون أيام شبابهم في تعلم الضرب بالسيف والرمح؛ لقتال أعدائهم،
1
والعرب لا يجوزون أن يستبدلوا العادات الحربية بأعمال الزراعة وما في المدنية الراقية من التمتع والهناء، فكان الناس في الممالك النصرانية يضطرون إلى الخدمة في الجندية، ويرافق الأشراف ملوكهم إلى الحرب مع أتباعهم.
أما العرب فلا يخرج أحدهم إلا إلى الجهاد، وإذا خرج فيكون خروجه على الأغلب متكارها لمدة معينة، فكانت أوضاع الإسبان حربية محضة تكون لهم بها الغلبة في القتال، أما في البحر فكان العرب أشد بأسا وأقوى أساطيل، ولهم في كل فرضة من فرض الأندلس سفن معدة، وقد أقاموا لهم دور صناعة في ألمرية وطرطوشة وطرخونة، وكانت معامل إشبيلية وقرطاجنة تخرج كل سنة سفنا جديدة تمخر في عرض البحار.
استولى الملوك من بني الأحمر قرنين ونصف قرن كما تقدم لنا الكلام في ذلك، وهم الذين استولوا على بقايا مجد العرب بعد أن انتصر سلطانهم سنة 663ه على الفرنج، واسترجع منهم اثنين وثلاثين بلدا من جملتها مرسية، ثم عاد العدو وأخذ بمخنقهم، ولكن لم ينل منهم لاجتماع كلمتهم في الداخل على الجملة، ولما دب الهرم في جسم دولتهم وقوي الإسبان باتحاد إيزابيلا ملكة قشتالة وفرناند ملك الأراغون، أي باتحاد المملكتين الرئيسيتين في الشمال، تأذن الله بفناء الأندلس، فلم يبق أمامهم إلا التسليم والاستسلام، وفي ذلك كان هلاكهم وبوارهم.