كان أهل دانية أقرأ أهل الأندلس؛ لأن مجاهدا العامري كان يستجلب القراء، ويفضل عليهم، وينفق الأموال فكانوا يقصدونه ويقيمون عنده فكثروا في بلاده. قلنا: وإذا كان عرض للأندلس في بعض أدوارها ما فرق جامعتها السياسية فاستفاد من ذلك أعداؤها فقد كان لتفريقهم إلى ممالك صغرى داعيا إلى التنافس أحيانا حتى صار لكل إقليم مزية ليست لغيره، واختص كل ملك بشيء فاتخذ أسباب النجاح فيه، واستدعى أهل الأخصاء من رجاله.
ومن لطيف تدبيرهم في الإنفاق على الجند دون تحميل الأمة أعباءه وهو تحت السلاح ما عمله ابن جهود رئيس قرطبة من جعل أهل الأسواق جندا، وجعل أرزاقهم رءوس أموال تكون بأيديهم محصاة عليهم يأخذون ربحها فقط، ورءوس الأموال باقية محفوظة يؤخذون بها، ويراعون في الوقت بعد الوقت كيف حفظهم لها، وفرق السلاح عليهم، وأمرهم بتفريقه في الدكاكين وفي البيوت، حتى إذا هم أمر في ليل أو نهار كان سلاح كل واحد معه.
ومن أجمل أعمالهم في إقامة قسطاس العدل: أن هشام بن عبد الرحمن الداخل كان يبعث إلى البكور قوما عدولا يسألون الناس عن سير العمال، ثم ينصرفون إليه بما عندهم، واعترض له يوما متظلم من أحد عماله فبدر إلى الشاكي، وقال له: احلف على كل ما ظلمك فيه فإن كان ضربك فاضربه أو هتك لك سترا فاهتك ستره أو أخذ لك مالا فخذ من ماله مثله إلا أن يكون أصاب منك حدا من حدود الله، فجعل الرجل لا يحلف على شيء إلا أقيد منه.
ولقد بنى الخليفة عبد الله بن محمد الساباط بين القصر والجامع بمدينة قرطبة، وكان يقف فيه قبل صلاة الجمعة وبعدها فيرى الناس، ويشرف على اجتهادهم وحركاتهم، ويسر بجماعاتهم، ويسمع قول المتظلم، ولا يخفى عليه شيء من أمور الناس، وكان يقعد أيضا على الأبواب في أيام معلومة فترفع إليه فيه الظلامات، وتصل إليه الكتب على باب حديد قد صنع مشربا مستطيلا؛ لذلك فلا يتعذر على ضعيف إيصال بطاقته بيده، ولا إنهاء مظلمة على لسانه، وفتح بابا في قصره سماه باب العدل، وكان يعقد فيه للناس يوما معلوما في الجمعة؛ ليباشر أحوال الناس بنفسه، ولا يجعل بينه وبين المظلوم سترا. فكانت سيرة عمالهم مع الرعايا أن يتحفظوا من كل أمر يوجب الشكوى منهم، وينقبضون عن التحامل على من دونهم.
وهكذا فإنه لا يكاد يخطر ببالك شيء من أدوات الحضارة ومقومات العمران وأساليب العلم والمعرفة إلا قام به أو ببعضه ملوك الأندلس وأهلها حتى التماثيل فإنها كانت في قصور العظماء والصور تزين بها غرفهم وردهاتهم؛ لذلك أبقوا على أكثر ما كان في البلاد قبل الفتح من التماثيل للاعتبار بها خصوصا بعد أن انغمسوا في الحضارة، قال أبو عامر البرياني في الصنم الذي بشاطبة:
بقية من بقايا الروم معجبة
أبدى البناة بها من علمهم حكما
لم أدر ما أضمروا سوى أمم
تتابعت بعد سموه لنا صنما
كالمبرد الفرد ما أخطا مشبهه
حقا لقد برد الأيام والأمما
كأنه واعظ طال الوقوف به
مما يحدث عن عاد وعن إرما
فانظر إلى حجر صلد يكلمنا
أشجى وأوعظ من قس لمن فهما
وقد أقاموا حدائق للحيوانات والنباتات، وعنوا حتى بصراع الثيران، فضارعوا الإسبانيين، وربما فاقوهم، وأولعوا بالرقص ولهم منه أنواع، وكذلك آلات الطرب كالخيال
6
والكرج والعود والروطة والرباب والقانون والمؤنس والكثيرة والقيشار والزلامى والشفرة والنورة والبوق، وكان في مدينة آبدة من أصناف الملاهي والرواقص المشهورات بحسن الانطباع والصنعة ما تظنهن فيه أحذق خلق الله تعالى باللعب بالسيوف والدكر، وإخراج القزى والمربط والفتوخة.
أما الموسيقى: فقد كان زرياب أدخلها الأندلس، فكان يجري عندهم مجرى الموصلي في الغناء، وله طريق أخذت عنه، وأصوات استفيدت منه، وعلا عند الملوك، وأحسنوا إليه حتى كادوا يفرطون، وشهر شهرة ضرب بها المثل، ولا عجب إذا قلنا إن تفرق الأندلس أصقاعا وممالك كان أشبه بتفرق ألمانيا وإيطاليا قبل وحدتهما إلى إمارات صغيرة تتنافس في مضمار العلم والصنائع والعمران.