تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحدث بعض السنين أن أرسلت رجلا اسمه محمد أغا، وهو الذي نهض بعد مدة بالدولة باسم محمد باشا الكوبرلي الكبير، قال أبو الفاروق: ولا عجب، فقد توجد الدرة النفيسة بين الكناسات والقمامات «راجع الجزء الثاني ص267 من كتاب «خطط الشام» من تأليفنا».

وفي العهد العثماني كانت الفتن بدمشق متصلة اتصال الشؤبوب، البلاد ساحة وغي على الدوام، وكذلك كانت الحال في الأقاليم، تتعطل الأسواق والمعاملات بسبب الاضطرابات بين الانكشارية جيش الدولة والفرق الجندية الأخرى كالدالاتية والقبوقولي، وقد عطلت البلد سنة 1161ه مرة ما يقرب من سنة، لا تقام جمعة، ولا يسمع أذان، ولا يفتح جامع، ولا يتمكن أحد من الخروج من منزله، وأغلقت دمشق دكاكينها مرة تسعة أشهر احتجاجا على مسائل آذتها، وكانت ذريعتها العظمى في إنكار ما يؤذيها إغلاق الحوانيت والمتاجر.

نعم، انقلب عيش الدمشقيين في القرون الأخيرة من حكم العثمانيين عيشا رتيبا ليس فيه غير المغارم والمظالم، ونشوب الفتن فيها من الأمور الطبيعية، وذلك لضعف الحكومة، وقلة بصيرة ولاة الأمر وفسادهم، وسرعة تبديل الولاة وسائر العمال، والقاعدة أن المناصب الكبرى لا تدوم لمتوليها أكثر من بضعة أشهر، وندر من يتولاها سنة كاملة أو سنتين، ومعظم العمال يبتاعون مناصبهم من رجال الآستانة بالمال الوافر، والجند لأقل سبب يشعثون القرى ويأكلون مغلها، ويقتلون في أهلها، ومعنى تخريب قوى دمشق انقطاع مادة حياتها. وكاد الموت والحياة يتساويان في نظر الناس على عهد الترك؛ لأن كل ما يدخرونه ينهب، وكل ما يعمرونه يخرب، وجاء الوالي أحمد باشا الجزار يقتل في الأهلين ويعسفهم، وكثيرا ما كان يصادر الناس ثم يقتلهم، وطال حكمه في أوائل القرن الثاني عشر، وهو يلقي الشغب بين الأهلين، وينمي روح الفتن بينهم، حتى ينقذ القطر بزعمه من عسف المشايخ والأمراء، وكان جوره بالقياس إلى جور هؤلاء أقل وطأة، فحفظ المساواة بين الرعية، وكان يحبس علماء المسلمين كما يحبس قسيسي النصارى وحاخامي اليهود وعقال الدروز، ويصادر المسلمين كما صادر اليهود.

وأهم ما وقع في القرن التالي قتل أعيان دمشق الوالي سليم باشا، وكان قضى على جيش الانكشارية في الآستانة وهو صدر أعظم، فحاول قتل بعض أعيانهم وهو وال، فبدءوه بالشر قبل أن يبدأهم، وجعلوا الحجة في إثارة العامة أنه يريد وضع ضريبة جديدة على البيوت والحوانيت، فهاج الرعاع لذلك وقتلوه، ولولا أن اتفق في تلك السنة خروج محمد علي باشا والي مصر على الدولة، وإعداده حملة لفتح الشام، لجعلت الدولة عالي دمشق سافلها لما أصابها من الذل بمقتل واليها.

وشغلت دمشق بفتح إبراهيم باشا بن محمد علي باشا ونفس خناقها بالدولة الجديدة، وقد رأى الدماشقة إدارتها أحسن من الإدارة في عهودها من العثمانيين، وكان من أول أعمال المصريين ترتيب المجالس الملكية والعسكرية، وإقامة مجلس الشورى، وترتيب المالية، ووضع نظام للجباية، ومعاملة الرعايا بالمساواة والعدل، ومع هذا استثقل أرباب النفوذ والمشايخ ظل هذه الدولة، وودوا رجوع العثمانيين، ليعيشوا معهم كالحلمة الطفيلية تمتص دماء الضعفاء وتفتك بالآمنين والأبرياء.

أما إبراهيم باشا فمضى في إصلاحه وأبطل المصادرات، وقرر حق التملك، ووطد الأمن، وأحيا الزراعة والصناعة، وهيأ الطرق لرواج التجارة، وبتشويقه عمت تربية دود الحرير ودود القز، واستخرجت بعض المعادن، فاستعادت بعض القرى عمرانها القديم، ورخص الفاتح الجديد للأجانب في إرسال معتمديهم إلى دمشق، وكانوا قبله يمنعون من دخولها، ودام حكمه في الشام تسع سنين، ومن دمشق خرج عائدا إلى مصر، فبكاه الدمشقيون بكاء شديدا، على شدته في تطبيق القوانين، وما عهد منهم أن ودعوا فاتحا بما ودعوا به إبراهيم بن محمد علي الكبير.

دمشق مدينة السحر والشعر · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دمشق مدينة السحر والشعرص ٩