تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما كان الفاتحون بغرباء عن دمشق لصلاتهم التجارية بأهلها في الجاهلية، وامتزاجهم بساداتها من الروم، وكان أبو سفيان بن حرب شيخ بني أمية كثيرا ما يرحل إليها، وقد زارها في الجاهلية بعض قواد العرب وخلفائهم، فعرفوا مداخلها ومخارجها، وصادفوا من أهلها بعد الفتح موادعة، فعاملوهم معاملة ليس أحسن منها، ولما لحق الروم بعد سقوط دمشق بقومهم في آسيا الصغرى، وخلت بهزيمتهم بيوتهم، أسكن المسلمون فيها بعض رجالهم، وجعلوا في أسفلها المليين، وخصوا أعاليها بأبناء الذمة حتى لا يتأذوا بالمسلمين إذا نزلوا العلالي.

ولما هلك أمير دمشق يزيد بن أبي سفيان وسدت الإمارة إلى شقيقه معاوية، فتولاها عشرين سنة أميرا، وعشرين سنة خليفة، وسدت إليه الخلافة بعد وفاة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فوضع أساس ملك بني أمية، وكان على غاية التسامح، عهد بوزارة ماليته إلى سرجون بن منصور من نصارى دمشق، ثم إلى ابنه من بعده ، وكان بعض أطبائه من النصارى، وكان في جيشه الأنباط والجراجمة والعجم وغيرهم من العناصر غير العربية وغير المسلمة. ثم تولى الخلافة ابنه يزيد بن معاوية، ثم معاوية الصغير أياما قليلة، ثم مروان بن الحكم، ثم ابنه عبد الملك، وتولى الخلافة الأموية في دمشق أربعة من أبناء عبد الملك؛ فدعي لذلك بأبي الأملاك ومفتاح الخير، وهم سليمان بن عبد الملك، والوليد بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، ويزيد بن عبد الملك، وتولاها منهم عمر بن عبد العزيز حفيد عمر بن الخطاب لأمه، وضرب المثل بعدله وحسن سياسته، وكان آخرهم مروان بن محمد، وهو من خيرة خلفائهم، ولكن قضت الأقدار أن تسقط على يده الخلافة. قال جستاف لوبون: «أبان العرب عن تسامح مع كل مدن الشام، فرضي أهلها بسلطانهم، وطرحوا النصرانية وقبلوا دين الفاتحين، وتعلموا لسانهم». وأصاب دمشق من عناية بني أمية ما أصبحت به عاصمة أعظم دولة، وبهمتهم وعبقريتهم امتد عمرانها، وذاق سكانها طعم العدل، وعرفوا الغنى والسؤدد، وكانت دمشق بهم أعظم عواصم العالم وأجملها.

مدحهم شاعرهم الأخطل النصراني بقوله:

حشد على الحق عياف الخنا أنف

إذا ألمت بهم مكروهة صبروا

شمس العداوة حتى يستقاد لهم

وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا

وكانت دمشق في أيام الأمويين كرومية في نظر أهل النصرانية، وما كانت قبلهم تعد في العواصم الكبرى. وللأمويين ابتكارات في الإدارة والسياسة لم ينسجوا فيها على منوال غيرهم، ولهم على العرب فضل لا ينسى على وجه الدهر، وهو أن أبا سفيان والد معاوية وجده حربا، نقلا من الحيرة الخط إلى جزيرة العرب.

دمشق في عهد العباسيين

فتح عبد الله بن علي عم الخليفة العباسي السفاح مدينة دمشق سنة 132ه، ووضع السيف في أهلها، واستصفى أموالها، ودخلت أباعر جيشه جامع بني أمية وظلت فيه سبعين يوما، وقتل من النصارى واليهود خلق، كما قتل كثير من العلماء والأمراء، ونبشوا قبور بني أمية وأحرقوا جثثهم بالنار وذروها في الهواء، ونقضوا أسوار البلدة حجرا حجرا. انتقم العباسيون من الأمويين أحيائهم وأمواتهم انتقاما فظيعا، وصفت لهم دمشق، إلا أنهم لم يجعلوا فيها دار خلافتهم، وصيروها قصبة ولاية، فذهب ما كان لها من عظمة على عهد الأموي.

ومع هذا كان عظماء رجال بني العباس أمثال إبراهيم بن المهدي وعبد الله بن طاهر يتولون أمرها، وأعظم من عطف عليها من خلفائهم الرشيد، وكان أميرا عليها قبل أن يلي الخلافة، وكذلك ابنه المأمون، كانا يختلفان إليها ويعدلان في أهلها، حتى لقد ذكراهم بما كانوا يلقون من عدل بني أمية أيام سلطانهم.

وما خلت البلاد حتى في أيام عظماء العباسيين من دعاة يدعون إلى إرجاع الملك للأمويين، فوضعوا لذلك ملحمة بنوها على معرفة المستقبل، زعموا أنه يظهر رجل من بني أمية اسمه السفياني، فاعتقد الناس بظهوره، كما اعتقد أهل المغرب بالمهدي، وفي خلافة الأمين - والعباسيون يشتغلون بأنفسهم - ظهر هذا السفياني، اسمه علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية، وهو الملقب بالعميطر، وكان من أهل العلم والرواية، فدعا إلى نفسه، وكان أصحابه يوم ادعى الخلافة يدورون في أسواق دمشق، ويقولون للناس: قوموا بايعوا مهدي الله. وكان يفتخر بقوله: «أنا ابن شيخي صفين» يعني عليا ومعاوية؛ لأنه كان ينتسب لبني أمية من جهة أبيه، ولآل أبي طالب من أمه، وتعصب على اليمانية وقاومه القيسية، فنهب دورهم وأحرقها، وقتلهم وفتك بأهل دمشق، وكان أصحابه يمرون بالدار فيقولون: ريح قيسي نشم من هذه الدار. فيضربونها بالنار، فهرب القيسية من دمشق، وكان من لم يبايعه سمر عليه بابه. ثم قام رجل آخر من الأمويين فنازع العميطر السلطة، فلقيت دمشق بسبب هذه الفتنة شدة، وأعظم ما لقيت من تنازع قيس ويمن أو النزارية واليمانية، وبقي الاختلاف في الشام بين هذين الحيين من العرب إلى العصر الأخير.

دمشق مدينة السحر والشعر · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دمشق مدينة السحر والشعرص ٣