هذا قليل مما قاله الأقدمون في وصف دمشق، وما منهم إلا المعجب بما زانتها به الطبيعة، وما عملته يد الإنسان في أديمها.
وقد بالغ الشعراء وأكثروا في وصف طبيعتها، وربما بلغ ما مدحت به مجلدا برأسه، فمنهم من قال مخاطبا لها:
ولكم أحدث عنك من لاقيته
وجميع من سمع الحديث يصدق
والأرض في عرض وطول دائما
لم يحو مثلك غربها والمشرق
ومنهم من وصفها بقوله:
يغذى بها القلب أنفاسا بلا كدر
فن يحل الوبا أطراف ثاويها
إن الهواء إذا رقت مناسمه
في بلدة لطفت أخلاط أهليها
فكل صورة أنس في منازلها
وكل نزهة نفس في روابيها
لولا أمور وأرزاق مقدرة
لم يرتحل عن دمشق حاضر فيها
وفيها يقول البحتري في قصيدته للخليفة المتوكل التي مطلعها:
العيش في ليل «داريا» إذا بردا
والراح نمزجها بالراح من «بردى»
إلى أن قال:
أما دمشق فقد أبدت محاسنها
وقد وفى لك مطربها بما وعدا
إذا أردت ملأت العين من بلد
مستحسن وزمان يشبه البلدا
يمسي السحاب في أجبالها فرقا
ويصبح النبت في صحرائها بددا
فلست تبصر إلا واكفا خضلا
أو يانعا خضرا أو طائرا غردا
كأنما القيظ ولى بعد جيئته
أو الربيع دنا من بعد ما بعدا
ومن أجمل ما قيل في مدحها قصيدة أمير شعراء العصر أحمد شوقي، وها هي برمتها:
قم ناج جلق وانشد رسم من بانوا
مشت على الرسم أحداث وأزمان
هذا الأديم كتاب لا كفاء له
رث الصحائف باق منه عنوان
الدين والوحي والأخلاق طائفة
منه وسائره دنيا وبهتان
ما فيه إن قلبت يوما جواهره
إلا قرائح من «راد» وأذهان
بنو أمية للأنباء ما فتحوا
وللأحاديث ما سادوا وما دانوا
كانوا ملوكا سرير الشرق تحتهم
فهل سألت سرير الغرب ما كانوا
عالين كالشمس في أطراف دولتها
في كل ناحية ملك وسلطان
يا ويح قلبي مهما انتاب أرسمهم
سرى به الهم أو عادته أشجان
بالأمس قمت على «الزهراء» أندبهم
واليوم دمعي على «الفيحاء» هتان
في الأرض منهم سماوات وألوية
ونيرات وأنواء وعقبان
معادن العز قد مال الرغام بهم
لو هان في تربه الإبريز ما هانوا
لولا دمشق لما كانت «طليطلة»
ولا زهت بني العباس «بغدان»
مررت بالمسجد المحزون أسأله
هل في المصلى أو المحراب مروان
تغير المسجد المحزون واختلفت
على المنابر أحرار وعبدان
فلا الأذان أذان في منارته
إذا تعالى ولا الآذان آذان
آمنت بالله واستثنيت جنته
دمشق روح وجنات وريحان
قال الرفاق وقد هبت خمائلها
الأرض دار لها «الفيحاء» بستان
جرى وصفق يلقانا بها «بردى»
كما تلقاك دون الخلد رضوان
دخلتها وحواشيها زمردة
والشمس فوق لجين الماء عقيان
والحور في «دمر» أو حول «هامتها»
حور كواشف عن ساق وولدان
و«ربوة» الواد في جلباب راقصة
الساق كاسية والنحر عريان
والطير تصدح من خلف العيون بها
وللعيون كما للطير ألحان
وأقبلت بالنبات الأرض مختلفا
أفواهه فهم أصباغ ألوان
وقد صفى «بردى» للريح فابتردت
لدى ستور حواشيهن أفنان
ثم انثنت لم يزل عنا البلال ولا
جفت الماء أذيال وأردان
خلفت «لبنان» جنات النعيم وما
نبئت أن طريق الخلد لبنان
حتى انحدرت إلى فيحاء وارفة
فيها الندى وبها «طي» و«شيبان»
نزلت فيها بفتيان جحاجحة
آباؤهم في شباب الدهر غسان
بيض الأسرة باق فيهم صيد
من «عبد شمس» وإن لم تبق تيجان
يا فتية الشام شكرا لا انقضاء له
لو أن إحسانكم يجزيه شكران
ما فوق راحاتكم يوم السماح يد
ولا كأوطانكم في البشر أوطان
خميلة الله وشتها يداه لكم
فهل لها قيم منكم وجنان
شيدوا لها الملك وابنوا ركن دولتها
فالملك غرس وتجديد وبنيان
لو يرجع الدهر مفقودا له خطر
لآب بالواحد المبكي ثكلان
الملك أن تعملوا ما استطعتمو عملا
وأن يبين على الأعمال إتقان
الملك أن تخرج الأموال ناشطة
لمطلب في إصلاح وعمران
الملك تحت لسان حوله أدب
وتحت عقل على جنبيه عرفان
الملك أن تتلاقوا في هوى وطن
تقرقت فيه أجناس وأديان
نصيحة ملؤها الإخلاص صادقة
والنصح خالصه دين وإيمان