هذا في حين أن سياق الآيات ونصوص التاريخ والسير والروايات تدلُّ بأجمعها على أن آية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...﴾ [المائدة/55] جاءت ضمن النهي عن مودَّة اليهود والنصارى والتحالف معهم ونصرتهم على المسلمين حيث نجد أن بداية الموضوع كانت في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة/51]، ثم قال تعالى بعد ذلك في السياق ذاته ولأجل مواصلة المعنى الذي تم التأكيد عليه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة/55] (1) .
(1) نهى الله تعالى في القرآن الكريم المؤمنين عن اتخاذ الكفار أولياء وعن اتخاذ غير المؤمنين بطانةً أي مقربين يطلعونهم على أسرارهم [آل عمران/118]، ونهاهم أيضاً عن مولاة المنافقين ممن لم يلتحق بالمؤمنين ولم يهاجر معهم فقال: ﴿...فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [النساء/89]، كما نهاهم عن مولاة الكفار وأهل الكتاب الذين يسخرون من دين المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ...﴾ [المائدة/57]، بل نهى من مولاة الكفار المعادين للإسلام حتى ولو كانوا آباء المؤمنين أو إخوانهم [النساء/144] و[التوبة/23]. ونهى المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء لأن بعضهم أولياء بعض [المائدة/51]..ونهى الله عن مولاة المنافقين الذين يعتبرون ما ينفقونه من زكاة غرامةً وأتاوةً [التوبة/98] والذين ﴿لا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة/54]، وفي مقابل ذلك دعاهم إلى مولاة المؤمنين الذي يؤتون الزكاة خاضعين لله وراغبين بطاعته ويقيمون الصلاة برغبة وإقبال أي المؤمنين الصادقين في إيمانهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ﴾ [المائدة/55، 56]، وقد استخدمت الآية صيغة المضارع في بيان أفعال المؤمنين للدلالة على استمراريتها ودوامها، والآيات 22 إلى 25 من سورة المعارج أي قوله تعالى ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ﴾ [المعارج/23-25] تؤيد تماماً هذا المعنى والقول الذي قلناه.