وأما أهل الحرة وابن الأشعث ، وابن المهلب - وغيرهم- فهُزموا وهُزم أصحابهم فلا أبقوا ديناً ولا أبقوا دنيا . والله لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا .
وإن كان فاعل ذلك من عباد الله المتقين ومن أهل الجنة فليسوا أفضل من علي وطلحة والزبير وعائشة وغيرهم ، ومع ذلك لم يُحمدوا ما فعلوه من القتال ، وهم أعظم قدراً عند الله وأحسن نية من غيرهم .
وكذلك أهل الحرة كان فيهم خلق من أهل العلم والدين ، وكذلك أصحاب ابن الأشعث كان فيهم خلق من أهل العم ، والله يغفر لهم كلهم ، وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث : أين كنت يا عامر ؟ ، قال : كنت حيث يقول الشاعر :
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ،،، وصوّ ت إنسانٌ فكدت أطير
... أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء .
وكان الحسن البصري يقول : " إن الحَجّاج عذاب الله ، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم ، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع ، فإن الله تعالى يقول : ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ ( المؤمنون / 76 ) .
وكان طلق بن حبيب يقول : " اتقوا الفتنة بالتقوى ، فقيل له : أجمل لنا التقوى . فقال : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو رحمة الله ، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله " رواه أحمد وابن أبي الدنيا(1) .
وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة ، كما كان عبدالله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة (2) عن الخروج على يزيد ، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث .
(1) - ورواه ابن أبي شيبة ( 11/23) ، وابن المبارك في " الزهد " ( 473 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " ( 3/64 ) .
(2) - انظر " البداية والنهاية " ( 8 / 217 ) .