فالعدل في الأفراد إعطاء كل ذي حق حقه، ذلك أن كل إنسان لما كان عضوا من أعضاء الجمعية كان له الحق في التمتع بنصيب من الخير الذى ينال المجتمع، فأخذ الإنسان نصيبه لا أكثر، واعطاؤه الناس حقوقهم لا أقل، هو العدل، فالغضب والسرقة ظلم لأن في كليهما أخذ ما للغير ومنعه عن حقه، والبائع الذى يكيل للمشتري أو يزن أقل مما اتفقا عليه ظالم لأنه لم يعطه حقه وهكذا.
ومن أعدى أعداء العدل «التحيز» وهو ميل الإنسان لأحد المتساويين ميلا يجعله يعطيه أكثر من حقه، وينقص الآخر حقه، فالقاضي مثلا يجب ألا يفرق في سيره مع الخصوم بين غنى وفقير، وأسود وأبيض، وذى جاه وعديم الجاه، لأن عمله إنما هو أن يطبق القانون على الأفراد، والناس أمام القانون سواء، فيجب ألا يجعل مجالا لحبه أو كرهه، ولا لغنى الخصم أو فقره، ونحو ذلك.
وكثيرا ما يتحيز الإنسان لآخر ويخطئ في أحكامه لتحيزه، وهو مع ذلك غير شاعر بأنه متحيز، ومعتقد الإنصاف فيما يرى، ومن أجل هذا يجب على الإنسان شدة مراقبته نفسه، وحذره من الوقوع في الخطأ.
ويحمل على التحيز أمور: (1)
الحب، فمن يحب إنسانا يتحيز له، كالوالدين قلما يريان الخطأ في عمل أولادهما. (2)
المنفعة الشخصية، فاحساس المرء بأن أحد الجانبين يكسبه منفعة لا تكون في الجانب الآخر يجعله يتحيز لأحد الجانبين. (3)
المظهر الخارجي، فحسن منظر شخص، وجمال هندامه، وفصاحة قوله، وآدابه في الحديث كثيرا ما تبعث على التحيز وتبعد عن العدل.
وواجب يقظة الإنسان في حكمه واجتهاده ألا يتغلب عليه هوى أو ميل يصده عن العدل.
وقد كان قدماء الرومانيين يمثلون إلهة العدل بامرأة معصوبة العينين، ممسكة ميزانا ذا كفتين بإحدى يديها، وسيفا باليد الأخرى، ويرمزون بعصب عينيها إلى أن العادل ينبغي أن يعمى عن الإعتبارات التي تجعله يتحيز من غير حق كغنى وجاه، وبالميزان إلى أنه يجب أن يزن لكل إنسان حقه بالقسط، وبالسيف إلى أنه يجب أن يلجأ إلى القوة في تحقيق العدل عند الحاجة إليها، وفي ذلك يقول الله تعالى:
لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس .
ويحمل على العدل: (1)
عدم التحيز، فالذي ينظر إلى الشيء مجردا عن الهوى أقرب إلى تحقيق العدل. (2)
توسيع النظر ورؤية المسألة من وجوهها المتعددة، فعند الخلاف في أمر يجب على كل من المتنازعين أن ينظر إلى محل النزاع من الجهة التي ينظر إليها خصمه أيضا، والقاضي عند فصله في الخصومة يجب أن ينظر إلى وجهة كل خصم. (3)
أن يجعل مدار الحكم على الباعث للعامل على عمله لا على مظهره الخارجي، فقد يكون ظاهر العمل سيئا، ومستفزا للغضب، ولكنه صادر عن باعث شريف ونية حسنة، كالذي يقسو على ولده ليربيه. (8-3) العدل في المجتمع
والمجتمع العادل هو المجتمع الذي له من النظم والقوانين ما يسهل لكل فرد من أفراده أن يرقي نفسه على قدر استعداده، فلا يكون المجتمع عادلا حتى تتوافر لكل طائفة من الناس وسائل رقيهم، ففي الأمة مثلا طائفة من التجار يحتاجون في تجارتهم إلى تلغراف وبريد وسكك حديدية وهكذا، وطائفة من الناشئين يحتاجون إلى مدارس يتعلم فيها كل من أراد أن يتعلم، وفيها من النظم والعلوم ما يسد حاجة كل طالب، وطائفة من المتخاصمين يحتاجون إلى قضاة وقوانين تردع الجناة وتحفظ حقوق الناس وهكذا، فإذا قامت الأمة بكل هذا حق لها أن تسمى مجتمعا عادلا، وإلا فهي مجتمع ظالم.
والمطالب بتحقيق العدل في المجتمع كل فرد من أفراده، فكل إنسان مطالب أن يعمل لتحقيق العدل في مجتمعه على قدر استطاعته، فإذا احتاجت مدينة إلى مستشفيات مثلا فعلى الخطيب أن يخطب حاثا على إنشائها، وعلى كتاب الجرائد أن يكتبوا، وعلى الشعراء أن يشعروا، وعلى الأغنياء أن يتبرعوا، وعلى كل ذي قدرة وجاه أن يستعمل قدرته وجاهه في مساعدة المشروع، ثم على من في يدهم تنفيذه أن ينفذوا، فإذا لم يعمل كل فرد ما عليه فالأمة كلها آثمة ظالمة، يقع عليها ضرر تقصيرها، حتى الأفراد الذين أدوا ما عليهم، لأن المجتمع كما قدمنا جسم عضوي، وذلك هو شأن الجسم العضوي، فلو أن القلب أدى ما عليه ولكن المعدة لم تؤده عوقب كل عضو في الجسم حتى القلب.