كذلك الإنسان يجب أن يكون بيته أعز بقعة على الأرض عنده، إن علاقة الإنسان ببيته أقوى من علاقة الحيوان بمأواه، ذلك لأن حاجة الحيوان الصغير إلى أبويه قليلة إذا قيست بحاجة الطفل، فصغار الطيور مثلا بعد أسابيع قليلة تقوى وتطير، وتفارق عشها وتستقل بنفسها، وتبني لها عشا خاصا بها، وتضعف علاقتها بآبائها إن كان ثم علاقة. أما الطفل فلا بد له من سنين طويلة حتى يستطيع أن يستقل بنفسه، وإذا استقل فلا تزال العلاقة بينه وبين أسرته قوية متينة، وسبب ذلك أن بناء الإنسان أكثر تركبا، ومطالب الحياة لديه أكثر تعقدا، فهو محتاج إلى زمن أطول حتى يتسلح للكفاح في هذا العالم ويؤدي واجبه.
في هذا البيت يتعلم الطفل أهم دروس الحياة، ولو خرج إلى العالم قبل أن يستكمل تربيته المنزلية لكان متوحشا، فالبيت في الحقيقة هو أكبر ممدن له.
في هذا البيت يتعلم كثيرا من الدروس، فمن حبه لإخوته وأخواته ووالديه يتعلم درس حب الناس وحب الوطن، ومن طاعته لوالديه يتعلم طاعة قوانين البلاد وقوانين الأخلاق.
وإذا كان للبيت من المنزلة ما بينا كان علينا نحوه واجبات نجملها فيما يأتي:
يجب على كل فرد في الأسرة أن يعمل على أن يكون بيته أسعد مكان، فخشونة المعاملة وخشونة القول والإساءة وإثارة الشحناء ونحو ذلك كل هذه إذا كانت خارج البيت رذيلة فهي في البيت أرذل.
ومما يؤسف له أن كثيرا من الناس يتجملون في أخلاقهم مع أصدقائهم ومن يتعاملون معهم فإذا حلوا في بيتهم تبدلت أخلاقهم إلى قسوة وخشونة وفظاظة وانقلب ذلك الصوت الهادئ المؤدب إلى هجر في القول وسوء في الأدب، والحق أن أدل شيء على الأخلاق الحقيقية هو خلق البيت لا خلق الشارع، فخلق الشارع خلق التصنع، والإختلاف في المعاملة بين أهل بيته ومن في الخارج يدل على أن الخلق الجميل ليس شيئا في نفسه، وإنما هو كالثوب الجميل يلبسه إذا خرج ويخلعه إذا عاد.
كذلك يجب أن نشعر أن منزل الأسرة للأسرة جميعها، فليس من الحق أن يستأثر أحد الأبناء بخير ما فيه، ولا يرعى إلا نفسه، ولا يهتم إلا بما يعود على شخصه.
أول واجب على الأبناء الطاعة للأبوين إلا في أحوال نادرة يأمر فيها الأبوان بالخطأ الواضح.
يجب أن يشعر كل فرد أنه مسئول - بقدر ما يستطيع - عما يحفظ للبيت سعادته ونظامه ونظافته وحسن العلاقة بين أفراده، وإن خطأة يخطئها أحد منهم تهدد سعادة المنزل وتعرضه للشقاء.
ليست الأمة إلا عدة أسرات، وليست المدينة إلا عدة بيوت، والسلوك الذى يسلكه الناشئ في بيته ليس إلا صورة مصغرة لسلوكه بعد في أمته، وإذا كان منبع النهر ملوثا تلوث النهر، فصلاح الأمة وصلاح البلاد دائما هو بصلاح الأسرة. (2-4) واجب الإنسان نحو وطنه (الوطنية)
الوطنية حب الإنسان لبلاده، أرض آبائه وأجداده، وإنما نحب وطننا لما بيننا وبينه من الصلات المتينة، فقد تربينا في جوه وبين قومه، وصرنا منه بمنزلة الفرع من الشجرة، كون هواؤه وتربته أجسامنا، وصارت قوانينه وعرفه عاداتنا، وأصبحت طريقة أهله في مأكلهم وملبسهم وكلامهم طريقتنا، نحن إليه إذا نزحنا عنه، ويهيج أشجاننا إليه ذاكرنا له، ونأنس بقربه، ونعتز بعزته، ونهون بهوانه.
على أن حب الوطنية يكاد يكون طبيعيا في كل إنسان، حتى لنرى بعض الحيوانات تحن إلى أوطانها كما تحن الطيور إلى أوكارها، ولقد ينشأ البدوى في بلد جدب، ومكان قفر، وهو مع ذلك يسعد بوطنه ويقنع به ويفضله على كل مصر «وترى الحضرى يولد بأرض وباء وموتان وقلة خصب، فإذا وقع ببلاد أريف من بلاده وجناب أخصب من جنابه، واستفاد غنى حن إلى وطنه ومستقره»
2
هذا هو السر في أنك ترى البلد تفشو فيه أنواع الحميات، أو يكون مثارا للبراكين من حين إلى حين، أو عرضة لطغيان الماء أو عصف الرياح، ثم لا يبرحه أهله، ولا يعدلون به بلدا سواه «قيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شىء ظله؟ قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشى أحدنا ميلا فيرفض عرقا، ثم ينصب عصاه، ويلقي عليها كساءه، ويجلس في فيئه يكتال الريح، فكأنه في إيوان كسرى».