وقد ثبت هذا الحق «حق الحرية» للإنسان لأنه لا يستطيع أن يكمل نفسه ويرقي أخلاقه ويصل إلى غايته إلا إذا كان حرا. •••
وقد تأخر الناس في فهم هذا الحق حتى بعد أن فهموا حق الحياة، فقد ظل الرق فاشيا بعد أن كف الناس عن قتل أسرى الحرب ووأد البنات، ولم يبطل الرق إلا في القرن الماضي، والآن بعد أن ألغي الرق لم يتمتع العالم بأنواع الحرية الأخرى كما ينبغي، فأمم عدة لا تزال تجاهد لنيل استقلالها، وكذلك النوعان الآخران من الحرية أعني الحرية المدنية والسياسية فهما، مع اختلاف الأمم في درجة التمتع بهما لم يبلغا الدرجة القصوى المنشودة لهما.
وهذا الحق أيضا يستلزم واجبين: واجبا على الناس والحكومات أن يحترموا حق الفرد في الحرية، فلا يتدخلوا في شؤونه إلا للمصلحة العامة وعند الضرورة، فالحكومات لا تقوم بواجبها إن كانت تحجر على الصحف والكتب أن تطبع حتى يجيزها الرقيب إلا في أحوال استثنائية كحالة الحرب، والأفراد لا يؤدون واجبهم إذا كانوا لا يسمحون لخطيب أن يخطب إلا إذا كان يرى رأيهم، ويقول بلسانهم، ولا يبيحون لكاتب أن يكتب ولا صحيفة أن تنشر إلا ما يوافق مذهبهم، إنما يؤدون واجبهم يوم يكون القول حرا؛ والنقد المؤدب حرا، والحجة وحدها هي وسيلة الاقناع.
يجب أن يستشعر المرء أنه حر، وأن الناس أيضا أحرار، فكما أن له حقا أن يكون حرا عليه واجب أن يحترم حرية الآخرين، يجب أن ينضم إلى شعور الشخص بأنه حر وأنه سيد نفسه شعور بأنه ليس يعيش وحده، ولكنه عضو في جمعية، وأنه مسئول عن حرية هذه الجمعية، ومن مميزات الأمم الراقية نماء هذين الشعورين في أفرادها وتعادلهما، أعني الشعور بالحرية والشعور بالمسئولية. والواجب الآخر واجب على ذي الحق نفسه وهو أن يستعمل حريته في خيره وخير الناس، ومن أساء استعمالها كان خليقا أن يسلبها، قال ملتن: «من يتعشق الحرية يجب أن يكون قبل طيبا حكيما» فليست الحرية تشرى أو تمنح، ولكن تكسب بالعمل لنيلها وحسن الإستعداد لها. (2-3) حق الملك
يكاد يكون حق الملك جزءا مكملا لحق الحرية، فإن الإنسان لا يستطيع أن يرقي نفسه كما يشاء إلا بملك الوسائل.
وقد دعا إلى هذا الملك أن وسائل الحياة لا تكفي لسد رغبات كل الناس، فتزاحموا على طلبها، ودعاهم حب الذات إلى الإستئثار بها فكان الملك.
الملك الخاص والملك العام
وإنا بالملاحظة نرى شكلين للملك، فتارة يكون ملكا خاصا كملك شخص كتابا أو منزلا أو ثيابا، وتارة يكون عاما كالسكك الحديدية والمتاحف ودار الكتب ودار الآثار.
وإنما جعلت بعض الأشياء ملكا خاصا وأخرى ملكا عاما لأنا رأينا أن الملك الخاص أدعى إلى عدم التبذير وإلى العناية، وهو في هذين يفضل الملك العام، ورأينا الملك العام يحمي من الإحتكار ومن استبداد المالك.
فالملك الخاص خير عندما تكون ملكيته أدعى إلى العناية والتدبير، والملك العام خير عندما تكون ملكيته أنفى للاحتكار واستبداد فرد أو أفراد قليلين بها، فالثياب التي يلبسها الإنسان وما يأكله والمسكن الذى يسكنه خير أن تكون ملكا خاصا له، لأنه بها أكثر عناية، ولا خوف فيها من احتكار واستبداد، أما المتحف أو الشارع فلو كان في ملك فرد لاستبد بالناس وفرض عليهم من الرسوم ما يضر بهم فكان من الخير أن يكون ملكا عاما.
وهناك أشياء كان من الواضح فيها أن تكون ملكا عاما لانطباقها على القاعدة المتقدمة في الملك العام ولكن أعطيت للشركات تديرها كشركة المياه وشركة النور، ومنعا لاستبدادها بالأمة عقدت الحكومة معها شروطا تجعل حدا أقصى لثمن الوحدات منها.
وليلاحظ أن الأشياء التي نقول: إنها ملك عام هي التي يعبر عنها بأملاك الحكومة، ذلك لأن الحكومة نائبة عن الأمة، فهي تدير هذه الأملاك وتتصرف فيها نيابة عن الأمة.