تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كان زينون معاصرا لأبيقور ومعارضا له في تعاليمه. فبينا يرى أبيقور أن الغاية من الحياة هي الوصول إلى أكبر لذة ممكنة للعامل، وأنه يجب إحياء الشهوة وإرواؤها، كان زينون يرى أنه يجب ضبط النفس وقمع الشهوات وعمل الواجب للواجب.

كان هؤلاء الرواقيون يرون أن اللذة ليست هي الغاية للإنسان، ولا هي بالخير دائما، وإنما الغاية نيل الفضيلة لأنها فضيلة. وطلبوا من الناس أن يكفوا عن اتباع الشهوات وأن يمرنوا أنفسهم على تحمل الآلام في سبيل الفضيلة.

والرواقي لا يجعل أكبر همه أن يكون غنيا ولا متلذذا، إنما أكبر همه أن يعيش حكيما فاضلا، في أى حال كان، في فقر أو غنى، وأن يستعمل ما حوله من الأشياء خير استعمال، ومثلوا الناس في الدنيا بالممثلين على مراسح التمثيل، قالوا: إن منهم من يمثل الملك، ومنهم من يمثل السائل الفقير، ولسنا نثنى على الأول لأنه مثل دور الملك ولسنا نعيب الثاني لأنه مثل دور الفقير، إنما نثني على من أجاد دوره ملكا أو فقيرا ونعيب من لم يجد ملكا أو فقيرا، كذلك الشأن في الحياة، فالإنسان يجب أن يمدح أو يذم لإجادته في عمله أو عدمها، لا لمنصبه الذي يشغله وماله الذي يملكه.

وضرب أحد رؤساء هذا المذهب وهو «إبيكتيتس» (50-115م) مثلا لذلك من لاعبي الكرة، قال: إنهم لا يلعبون للكرة نفسها ولا يهمهم ملكها ولا من ملكها، وإنما يمدح اللاعب لأنه يعرف كيف يلعبها وكيف يجيد رميها، يريد بذلك أن الأشياء الخارجية لا قيمة لها في أنفسها، وإنما يمدح الإنسان على حسن استعمالها لا على ملكها.

والغربيون الآن يطلقون «رواقي» على من اعتاد أن يقابل الأشياء بهدوء وطمأنينة على الرغم مما يحيط بها من خطر وآلام.

ومن القائلين باللقانة في العصور الحديثة «كانت»

9

فقد كان يرى «أن عقل الإنسان هو أساس الأخلاق. وليس الإنسان في حاجة إلى أن يتعلم أن العمل خير أو شر بواسطة الملاحظة أو التجربة، أو قياس ما ينتج عنه من لذائذ وآلام، ولكن العقل بطبيعته يرينا الخير والشر، فإذا عرض أمامنا عمل ما فعقلنا يرشدنا إن كان خيرا أو شرا من غير عمليات حسابية، والعقل يأمرنا دائما أن نعمل ما نحب أن الناس يعملونه، فيأمرنا بالصدق لأننا نحب أن الناس يصدقون، وبتجنب الكذب لأننا نحب أن الناس لا يكذبون. ويجب أن نخضع لصوت العقل وأن نجعل إرادتنا تنفذ ما يأمر به وما ينهى عنه، وإذا جرينا على هذا المبدأ دائما ولو خالف ميولنا وشهواتنا فقد أدينا ما علينا من الواجب وسرنا سيرا أخلاقيا».

وقد اعترض على هذا المذهب (اللقانة)، القائل بوجود غريزة في الإنسان يميز بها الخير من الشر، كالحاسة التي يميز بها بين الألوان والأصوات: (1)

بأن الناس يختلفون في الحكم على الأشياء اختلافا كبيرا حتى في البديهات، ففي «سبارطة» كانت تعد السرقة عملا ممدوحا، ويعد القتل في «داهومي» واجبا من الواجبات فكيف يقال بعد: إن الناس منحوا غريزة لإدراك الخير والشر؟ مع أنا نراهم لا يختلفون هذا الإختلاف فيما يدرك بالحواس، فلا يقول قوم على الأسود أبيض، ولا يقول آخرون: إن الاثنين أكبر من الأربعة. (2)

وبأنا نشاهد أنا في كثير من الأعمال نتوقف عند الحكم عليها بأنها خير أو شر، ونحس أننا نحتاج فيها إلى إمعان النظر واستعمال الروية، ولو كان الحكم يرجع إلى حاسة فينا ما احتجنا إلى ذلك، كما لا نحتاج إلى إمعان النظر في إدراك الأسود والأبيض والجميل والقبيح. (3) نظرة عامة إلى هذه المذاهب

رأينا أن العلماء مختلفون فيما بينهم في معرفة المقياس الأخلاقي، وأن كل مذهب من المذاهب لم يسلم من اعتراضات ترد عليه، ولم يخل كذلك من وجهة نظر صحيحة.

وإذا ألقينا عليها الآن نظرة عامة رأينا أن من الخطأ الواضح الجري على مذهب السعادة الشخصية، لأن الإنسان لا يعيش وحده في هذا العالم، وهو مضطر في معيشته إلى التعاون مع أبناء جنسه، فليس من الحق إذن أن يبحث فقط وراء سعادته هو، فضلا عن أنا إذا رجعنا إلى الطبيعة الإنسانية رأيناها تدعو إلى عمل الخير للناس كما تدعو لعمل الخير لنفسه، فكثير مما يعمله الآباء والأمهات لأولادهم لا يعملونها لأنفسهم، بل هم قد يبذلون أنفسهم لخير أولادهم، وكأعمال الخيرين الذين يقصدون إلى إيصال الخير إلى الناس مهما نالهم من الأذى، بل نحن في أعمالنا اليومية نشعر بميل إلى إغاثة الملهوف، وإنقاذ المشرف على الخطر، ومساعدة المنكوبين ونحو ذلك ولو لم يعد علينا من ذلك منفعة خاصة، مما يدل على تأصل عاطفة الخير فينا، وحب الناس، وأن ليس شخصنا هو المحور الوحيد الذي تدور عليه الأخلاق.

كتاب الأخلاق · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب الأخلاقص ١٥