تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونحن نلاحظ أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاض أول معركة فى الإسلام وسط ظروف تستحق التنويه . لقد ظل خمس عشرة سنة يدعو أهل مكة إلى دينه بالأسلوب الذى رأيت ، أسلوب التذكير والإعراض ، والتعليم الذى يلقى الصدود بالهجر الجميل ، فلما أُخْرِج هو وأصحابه من مكة ، وصودرت أموالهم بعد ما صودرت حرياتهم ، فرض الحصار على تجارة خصومه . وأحس أهل مكة أن قافلة لهم مهددة بالوقوع فى أيدى المسلمين ، فخرجوا لاستنقاذها وحالف القافلة حسن الحظ فنجت .. وإلى هنا كان فى وسع المشركين . أن يعودوا إلى بلدهم ليكفروا فيه ما شاءوا .. بيد أن الغرور الذى لا عذر معه ، والإصرار الذى يجانبه التوفيق ، كانا قد نسجا غطاء سميكا على عيون القوم . وبدا أن النذر الكثيرة التى سيقت إليهم لم تنجح فى إيقاظ غافل ، ولا تبصير جاهل . وإذن .. فقد حل دور القسوة بعد ما فات أوان النصح . ويريد الله ـ لحكمة عليا ـ أن تدور هذه المعركة على غير إعداد من المسلمين ولا توثب ، وأن تدور بعد ما انقطع كل تطلع إلى مغنم دنيوى عاجل ، وأن تدور وليس للمشركين عذر قريب أو بعيد فى إشعال هذه الحرب ، وأن تدور بعدما استنفدت جميع وسائل الإقناع التى تصح بها العقول والقلوب المعتلة ، أجل ، دارت المعركة بين كفر خالص وإيمان خالص ، لأن الأمر كما قال ربك : (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون) . ومجيء المعركة فى هذا الابان ، يضفى عليها هالة العدل المطلق ، ويجعل دماء المشركين المهراقة آخر شيء فى الدنيا يرثى له ، أو يؤسى عليه . والذى أحب إبرازه ـ فى معرض الإشارة إلى أول قتال فى الإسلام ـ أنه لم يقع فى السنة الأولى للدعوة الإسلامية ، بل وقع بعد أعوام يصحو فيها الغافى ، ويذكر ص _018

كيف نفهم الإسلام · الصفحة ١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

كيف نفهم الإسلامص ١٢