القول وصواب الحديث؛ إنّهم يصطرخون فيها ... ليس صراخاً .. إنّه اصطراخ .. وزيادة المبني تدلّ على زيادة في المعنى. فإمّا أنّهم جرجروه حتّى أقاموه فوق منبر من نار .. وإمّا أنّه تصاغر وأطلق كلماته هذه محاولاً قدر استطاعته أن يُخفي خزيه وعاره، ولم يبقَ له من عذرٍ فقد قُضي الأمر، وآب الناس إلى منازلهم: هو وحزبه إلى النار وحزب الله إلى الجنّة.
- ﴿إنّ الله وعدكم الحقّ ووعدّتكم فأخلفتُكم﴾ ...
ومثل هذه الآية في المعنى قوله سبحانه: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن شيئاً حتّى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفّاه حسابه﴾.
فالله قد وعد، ووعده حقّ، وهو القادر سبحانه وتعالى أن ينفّذ وعده، لا يعجزه شيء إذا أراده، ثمّ تفكّر بهذه الصيغ الرحيمة التي ينادي الله تعالى بها عباده في هذه الدنيا، إنّها كلمات الرحمة.
أُنظر وتفكّر في قوله سبحانه ﴿قل يا عباديَ الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله * إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً، إنّه هو الغفور الرحيم﴾ فتفكّر فيها المرّة تلو المرّة، ثمّ تفكّر أنّ الذي يناديكم بهذه الكلمات هو خالقك وربّك، وهو الغنيّ عن العالمين، لا يزيدون ملكه شيئاً إذا عبدوه، ولا ينقصون ملكه شيئاً لو كفروه، سبحانه ما أرحمه، وما أرأفه، فله الحمد على جميل صفاته .. جلَّ في علاه.
إنّ من وعد الحقّ أن ينصر الله عباده فنصرهم، وإنّ من وعد الحقّ أن يملأ قلوبهم بالرضا والاطمئنان فأرضاهم، وكشف عنهم غمّهم، وإنّ من وعده أن يخفّف عنهم سكرات الموت فكان لهم ذلك، وأن يجعل عليهم قبورهم جنّة من الجنان فيها روح وريحان فذاقوا من ذلك ألواناً، وإنّ من وعد الحقّ أن يؤمّنَهم يوم الفزع الأكبر فأمَّنهم، وإنّ من وعد الحقّ أن يجعل لهم نوراً في قبورهم ويوم بعثِهم وفوق الصراط فكان لهم النور، وإنّ من وعد الحقّ أن يدخلهم الجنان فدخلوها، وإنّ من وعد الحقّ وهو أعلى الوعود وأشرفها أن يروا ربّهم فتجلّى لهم من فوقهم ورأوه كما يرون البدر في الليلة الصافية .. ﴿وقالوا الحمد لله الذي صدَقَنا وعده وأورثنا الأرض نتبوّء من الجنّة حيث نشاء فنعم أجر العاملين﴾.
فماذا فعل الشيطان بوعوده؟ ﴿فأخلفتكم﴾ هكذا ظهر سراب وعوده، تكشّف كذبها، وبانت على حقيقتها، لقد تلاشت كلّها تحت كلمة الشيطان ﴿فأخلفتكم﴾ .. لقد بحثوا عنه في كلّ موطن أقسم لهم أن يكون لهم فيه، ونادوا عليه بكل أصواتهم حتّى كلّت وبحّت، لكنه لم يكن هناك، لقد تخلّف.