أما الرسالة الخاتمة فجاءت على غير ذلك، خالفت جميع الرسالات السابقة من ناحية الأبعاد الثلاثة: طولا وعرضا وعمقا.. طولا: استغرقت الزمن كله إلى قيام الساعة. عرضا: استغرقت البشر جميعا في المعمور من أرض الله. عمقا: تناولت ما يحتاج إليه البشر من عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق، ووضعت القواعد العامة والمبادئ المنيرة التى توجه الناس إلى ما يضمن لهم الصالح في معاشهم ومعادهم على سواء. وبذلك أصبحت هذه الرسالة لا معقب عليها، وأصبح نبيها عليه الصلاة والسلام مسك الختام، فلا وحى بعد ذلك، ولن يجيئ من عند الله هدى جديد يحمله بشر آخر.. كأن الناس قبل محمد عليه الصلاة والسلام يشبهون الغلام الذي يعيش مع أبيه فهو يأخذ بيده ويمضى به في الطرق حتى إذا بدأ الغلام يكبر قال له أبوه: لست باستمرار معك ادرس هذه الخريطة فإن لك عقلا تستطيع أن تعيش به وأن تتعرف به الطرق وأن تدرى به المزالق التى تتلفك والمصالح التى تجديك، خذ هذه الخريطة وامض بها!! كذلك صنع "الله للعالم مع النبى الخاتم ، كان جل جلاله يستطع أن يبعث في كل قرية مرسلا، وماذا يكلفه هذا؟ لا يكلفه شيئا: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا) لكنه جل جلاله لم يشأ واكتفي بأن أرسل النبى الذي رسم الخريطة للعالم بعد ما كبر وقال له: هذا الوحى بيدك مصباح يلقى بضوئه على الطريق فتنتفع به وتعرف كيف تضع قدمك في حاضرك ومستقبلك. وهكذا من أربعة عشر قرنا إلى الآن لم يجئ كتاب ولن يجيء كتاب، ولم يبعث نبى، ولن يبعث نبى، اكتفت الحكمة العليا بهذا القرآن الكريم مع النبى الخاتم !. ولما كان الإسلام دين الإنسانية منذ بدأت ـ بمعنى أن العقائد الركينة فيه هى ما بعث به المرسلون السابقون ـ فإن الإسلام بوصفه الجديد يعتبر دين السموات والأرض، دين الأزل والأبد، وليس وراء ذلك شئ له ص _078
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٩٩٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ٩٩٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي