تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ففي سنة أربع وعشرين ومائتين وألف اجتاز باتوخان ابن جنكزخان بجيش المغول وادي ولغا وافتتح قسما من الروسية الجنوبية، وأسس السلطنة الكبيرة المسماة بسلطنة كابشاك، وفي سنة أربعين ومائتين وألف استولى باتو بن توشي أحد أمراء المغول على مدينة كياف، وبعد مدة يسيرة انقاد لأحكامه البودوليا والفولينيا والغاليسيا الشرقية كما انقاد لطاعته أمراء الروسية الشمالية، ولم يبق منهم مستقل بأمره إلا أمير موسكو الذي تلقب في سنة ألف وثلاثمائة وثمان وعشرين بلقب الأمير الكبير، وقد دامت سلطة المغول على الروس مدة مائة وخمسين سنة، وذلك من سنة ألف ومائتين وأربعين إلى سنة ألف وثلاثمائة وتسع وثمانين، ثم بوقوع حروب أهلية في المغول والتتار واستيلاء تيمور على بلدانهم اتسعت عن الروسية ربقة العبودية، ومع ذلك فقد ضيقوا على مدينة موسكو ونهبت مرارا ولم تتحرر تلك البلاد من رق التتار إلا في سنة ألف وأربعمائة وإحدى وثمانين على يد الأمير الكبير إيفان الثالث، وطوع هذا الأمير في ذلك العهد نفوغورود وبسكوف والبيارمية وضم إلى ممالكه عدة ولايات كانت لأمراء منها السفاريا، ثم أضاف أيضا إلى مملكته القسم الغربي من سيبيريا. ثم إن بازيلي وإيفان الرابعين اللذين استوليا بعد الأمير المذكور شرعا في الحروب التي استمرت مدة طويلة مع أهل بولونيا وجماعة الكفالييرات التوتونيك وأهل السويد، وفي أيامهما افتتحت سمولانسك وقازان واستراكان وغالب سيبيريا، وعجز إيفان المذكور عن أخذ الليفونيا مع شدة اجتهاده وحرصه على أخذها.

ثم في سنة ألف وخمسمائة وثمان وتسعين انقطعت عائلة روريك ووثب بوريس غودونوف على كرسي المملكة فنشأت من ذلك اضطرابات مع ما كان من تحارب بولونيا والسويد على أخذها، ولم يزل ذلك الاضطراب بها حتى أشرفت على الاضمحلال. ثم بولاية ميشال رومانوف في سنة ثلاث عشرة وستمائة وألف خمدت نيران الحروب وزال معظم الضرر، وقامت الروسية على ساقها شيئا فشيئا في مدة هذا الأمير. ثم في أيام الذي بعده استرجعت سفاريا من أيدي البولونيين. ولما انتقلت الدولة لبطرس الكبير من سنة اثنتين وثمانين وستمائة وألف إلى سنة خمس وعشرين وسبعمائة وألف أخذ في توسيع دائرة المملكة وتهذيب أخلاق أهلها بالفنون والصناعات، وكان مطمح نظره تحرير أهل الروسية واستخلاصهم من ربقة الجهل والعبودية وتنمية عددهم وعددهم. وكان اقتضى الحال أن يزور بنفسه الممالك الأوروباوية ويشاهد الأمم الذين أحرزوا قصب السبق في ميدان التمدن، فتوجه أولا إلى مملكة هولاندة وتعلم بها صناعة النجارة واصطناع السفن، وكان يخدم بترسخانة صاردم مثل آحاد الناس متسميا باسم بطرس ميكايلوف، ثم توجه إلى إنكلترة واختار منها مهندسين حذاقا ليصطنعوا له خليجا بين واديي دون وولغا، ومع ذلك فلم تنقص هذه الأشغال من ملاحظته لمصالح بلاده وأسباب عمرانها مع استرساله في الحروب الهائلة. ومن مآثره أنه هذب الأحكام ودون لها قانونا ونظم أحوال الضبطية وأجاد صناعة السفن وترتيب الحربي منها، وأعان أصحاب الصنائع وأبدل حكم البطرك الذي هو كبير الكنيسة المستبد بحكم المجلس الذي ركبه للنظر في أمور الديانة، وأسس أكدمية العلوم بمدينة بطرسبورغ واخترع كيفيات نياشين الافتخار لتمييز ذوي المناصب، وأسس المدينة المذكورة التي هي التخت الآن، ووسع نطاق المملكة إلى بحر البلتيك وبحر الخزر والبحر الأسود، وضعضع ملك بولونيا وأوقفها على السقوط وكسر من شوكة السويد وتداخل في سياسة أوروبا العمومية، وقوى سلطته ونفوذ كلمته داخل مملكته بجعل نفسه رئيسا للديانة.

ثم لما أفضت الدولة في سنة اثنتين وستين وسبعمائة وألف إلى عائلة هولستين غوتورب الغربية من بنت رومانوف لانقراض عقب البيت المذكور وقفت الروسية عن التقدم هنية. ثم في مدة كاترينا الثانية من سنة ثلاث وستين وسبعمائة وألف إلى ست وتسعين عادت إلى التقدم وتوسيع الدائرة إلى أن بلغت ما بلغت من القوة والاشتهار وفتحت بلاد التتار الصغرى مع أرض القريم وافتكت الليتوانيا من يد البولونيين واستولت على الكورلاند والكوكاز أي الجركس، وظفرت بنصف مملكة بولونيا عند اقتسامها في سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة وألف، وابنها بولس الأول المستولي بعدها دخل في التحزب الأوروباوي على فرنسا وبعث جيشا تحت رئاسة الجنرال سوفاروف سنة تسع وتسعين وسبعمائة وألف إلى السويسرة لمحاربة الفرنسيس هناك، فاسترسلت الحروب مع فرنسا حتى أوقفها إسكندر الأول بشروط تيلسيتس سنة سبع وثمانمائة وألف. ثم تجددت الحروب سنة اثنتي عشرة بين الدولتين حتى اضطرت الروسية إلى إحراق مدينة موسكو بنفسها إرغاما لنابوليون الأول، ومع ذلك فلم تتنازل عن قوتها بل أخذت حينئذ فينلاند والبوتنيا الشرقية وباسرابيا الكرج. ثم في سنة خمس عشرة وثمانمائة وألف تسلطت على أكثر من ثلثي بولونيا الكبرى التي كان نابوليون قبل ذلك بثمان سنين أنشأها دولة مستقلة باسم غران دوكاتو وأرسوفيا، وأنشأت فيهما مملكة ذات كونستيتوسيون بلقب مملكة بولونيا.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ٩٠