تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا، وينبغي أن نذكر هنا بعض أسباب هذه الواقعة التي تولدت منها حرية أوروبا، وكيف كان حال الأمة الفرنساوية قبلها، وإلام آلت بعد. فاعلم أن فرنسا لم يكن لها قبل ذلك التاريخ كونستيتوسيون ولا إدارة منظمة، وكانت حالها في السياسة والاقتصاد سيئة جدا بحيث لا يمكن تحملها بوجه، وكانت أرضها منقسمة إلى إيالات بعضها عدو لبعض، والناس متوزعون على طبقات متضادة، وكل الأمور كانت تعتبر جزئياتها لاعتبار شخصيات أفراد الناس، بمعنى أنهم كانوا لا ينظرون في الأمور بما تقتضيه كليات الأحوال، بل يقتصرون على الشخصيات التابعة للأغراض الخصوصية، فمن كانت له حظوة عند الملك أو بعض حاشيته أو حماية ممن لاذ بهم نال بغيته، ومن لا فلا. وكانت الصناعات وقابليات المعارف محجوزة بقيود لا انفكاك لها، والخطط الدينية والمدنية والعسكرية كانت دائما مقصورة على طائفة من الناس، ولم يكن يسوغ للإنسان أن يتعاطى صناعة من الصناعات إلا في حالة مخصوصة وبشروط معتبرة، كدفع المال ونحوه. وبعض المدن كانت لها مزايا خصوصية في التراتيب الداخلية وفي توزيع الأداء ونحوه، وسائر الوظائف كانت مؤبدة تحت يد أفراد من الناس في جميع جهات المملكة، وكان العدد القليل من ذوي الثروة والجاه يقاوم جما غفيرا من الفقراء والمساكين، وثقل الأداء ونحوه كان كله يحمل على طبقة واحدة من الناس وهم الضعفاء منهم، أما الأعيان وأهل الكنيسة فكانوا يملكون ما يقرب من ثلثي أرض فرنسا ولا يؤدون عليه شيئا، والثلث الذي بيد العامة يوظف عليه الأداء للدولة أولا ثم عوائد كثيرة للأعيان ثم العشر للكنيسة، مع ما كانت تتحمله آراضهم من إفساد زروعها من مرور الأعيان بها عند الاصطياد، ومن الصيد نفسه؛ حيث إن الاصطياد كان محجرا على العامة ولو في آراضهم؛ إذ هو من خصائص الأعيان، والأداء على الأقوات إنما كان على العامة، واستخلاص المجابي كان بالقهر من دون أدنى ترتيب، والأعيان إذا امتنعوا من أداء ما يوظف على كسبهم لا يلزمهم بالامتناع شيء بخلاف العامة، فإنهم كانوا يعاملون في أموالهم وأبدانهم معاملة سيئة، فمن لم يعجل بدفع ما يطلب منه فقد عرض ماله للتلف وبدنه للسجن، وما كانوا يرتزقونه بعرق الجبين يدفعونه في مصالح الطبقة العليا من الأعيان، ثم يدافعون عنهم بأنفسهم. وأقل شقاوة من هؤلاء أهل الصناعات، فإنهم لعدم الملك عندهم لا يلزمهم من الأداء ما يلزم غيرهم من أرباب الأملاك، لكنهم لا يحصلون على شيء من المنح التي يستحقونها بتزيينهم للمملكة بنتائج أفكارهم وتحصيلهم لها بذلك ثروة وشهرة بين الممالك.

وكانت الأعيان تتولى الأحكام في بعض إيالات المملكة الراجعة لهم، وأما الإيالات التي لم يكن بينها وبين الخطة الملكية واسطة فكانت الخطط بها تباع وتشترى. وكان فصل الأحكام في الكل بطيئا، وفي الغالب يترجح في الحكم جانب من وفر العطية، وكثيرا ما يتراضى الخصمان على ترك المخاصمة بالمرة أخذا بالأصلح لهما لكثرة المصاريف، وفي نوازل الجنايات كانت العامة تعامل بالغلظة والفظاظة بخلاف غيرهم، حيث كانت رسوم الحرية الشخصية عند حكامهم منهوكة، بحيث لا يراقبون في الإنسان إلا ولا ذمة، ثم المطابع كانت تحت نظر رقباء من جانب الدولة بحيث لا يرخصون لأحد في طبع ما لا يستحسن عندهم. وبالجملة لم يكن للعامة حق عندهم ولا حرمة، كما لم يكن للسلطة الملكية حد تقف عنده ولا نهاية، فأحوال فرنسا في ذلك الوقت كانت مرتبكة بدون تقييد ولا تنظيم، ولم تكن المملكة محمية من الأجانب كما ينبغي، ودخلتها الخيانة بواسطة صاحبات لويز الخامس عشر، وأشرف نظامها على الاختلال من ضعف وزراء لويز السادس عشر، وبعد ذلك ضيعت شرفها بترك إعانة هولاند وبولاند، حيث كانت حليفة لتينك الدولتين ولم تدافع الأجانب عند استيلائهم عليهما. ولمثل هذه الأسباب قامت الأمة الفرنساوية على الدولة ورجالها، وكانت ثورة أبدلت الكيفية القديمة المختلة الإدارة بكيفية منظمة لائقة بالشرف الإنساني، وعوضت الاستبداد بالقوانين القابضة لأيدي الحكام عن تجاوز الحدود والتفضيل بين الناس بالتسوية بينهم في الحقوق، فتسرحت الصناعات مما كان يعوقها وحميت الفلاحة من تسلط الأعيان ومن أداء العشر للكنائس، وكفت عن الأملاك موانع التحبيس واتحدت أحوال المملكة وتصرفاتها، وهذه الثورة كانت علامة للحرية وأيقظت لها جفون سائر الأمم وأنتجت مصالح جمة مظنة للدوام والاستمرار، واستبدلت إفراط القتل الواقع فيها بمنافع لا تحصى.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ٤٥