تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن لويز التاسع الملقب بصان لوي بمعنى الصالح، وهو الذي مات بتونس مهد مصالح المملكة وساسها أحسن سياسة من سنة ست وعشرين ومائتين وألف إلى سنة سبعين ومائتين وألف، فإنه وإن لم يزد في أرض المملكة زيادة معتبرة إلا أنه أعطى التاج ما يستحقه من السلطة والاعتبار، وأقام دعائم الملك على أمتن أساس. ثم في مدة فليب الثالث من سنة سبعين ومائتين وألف إلى سنة أربع وثمانين ومائتين وألف أضاف المذكور اللنغدوك إلى فرنسا وتداخل في جميع المنازعات التي كانت واقعة في ممالك إسبانيا النصرانية، وامتد نفوذ كلمته إلى مملكة نابلي من إيطاليا، ثم شرع فليب الرابع من سنة أربع وثمانين ومائتين وألف في استرجاع الأملاك التي كانت سلمت إلى لوتير ونجحت مدافعته في ذلك ضد سلطة البابا الدنيوية، وأقام بين البباصين والأعيان وسلطتهم حاجزا، وهو مجلس المشورة العمومية (بمعنى أنه عطل تصرفاتهم وأحالها إلى الشورى، فكانت أحزاب الناس تجتمع لعرض المطالب)، وهذا الملك هو أول من جمع دواوين المدن بفرنسا، ويقال لها مجالس البارلمان، ثم بعد وفاته مال أولاده إلى الأعيان وقووا سلطتهم بدون تبصر في عاقبة الأمر، وكان دأب أولئك الأعيان البحث عما يتيسر به تخلصهم من القيود المنافية لأغراضهم واغتنام الفرصة في ذلك حتى تمكنوا من السلطة ثانيا بإعانة أولئك الأبناء الذين كانوا يجهلون مصالح الملك، وكان ذلك من سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وألف، ووقع مثل هذه الإعانة للأعيان من الفرع الثاني الملكي، وهو الملقب بالوالوي اقتداء بأولاد فليب الرابع، فبتلك السيرة المتهورة أشرفت فرنسا على الاضمحلال، فاغتنم ملوك الإنكلترة الفرصة وشرعوا في الحروب المسماة بحروب المائة سنة، وانضم إليهم الفلمنك والبروتون، وكان مبدأ تلك الحروب من سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف إلى سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة وألف، وبعد أن غلبت فرنسا في مقاتلة كريسي وذلك في دولة فليب دووالوي سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف، وفي محاربة بواتيي، وكانت في دولة جان الثاني سنة ست وخمسين وثلاثمائة وألف شرعت في النهوض في دولة شارل الخامس من سنة أربع وستين وثلاثمائة وألف إلى سنة ثمانين وثلاثمائة وألف، لكنها رجعت بعد ذلك القهقرى في دولة شارل السادس حين كان صغيرا تحت قيد الحجز، ثم حين اختل عقله وذلك من سنة ثمانين وثلاثمائة وألف إلى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وألف حتى أشرفت على الانقراض ثانيا بسبب تجاذب أمراء العائلة المتكثرين عددا وثروة وتداخلهم في سياسة الممالك طمعا في التاج ورغبة في نفوذ الكلمة، مع ما آل إليه أمر العائلة الثانية من أمراء بورغونيا من القوة والسلطان في سنة إحدى وستين وثلاثمائة وألف حتى صارت مضاهية للعائلة الملكية.

ومما زاد الأمة الفرنساوية وهنا على وهنهم المصادمات التي جرت فيها الدماء بين شيعة البورغوند وشيعة أرمنياك. وفي سنة خمس عشرة وأربعمائة وألف تغلبت الأمة الإنكليزية في أزنكور وحازت غالب الإيالات البحرية من فرنسا. ثم في سنة تسع وعشرين وأربعمائة وألف بزغ طالع سعد فرنسا بظهور البنت جان دارك بنت أحد الفلاحين المولودة بقرية دومرمي التي زعمت أن الله أمرها باستخلاص فرنسا من أيدي الإنكليز، فتوجهت إلى الملك شارل السابع بمدينة بورج فانقاد إلى قولها، وكانت السبب في رفع حصار الإنكليز لمدينة أورليان بقودها لجيوش الملك المشار إليه بأزمة النصر، إلى أن أوصلتهم إلى مدينة رامس، وبعد ذلك أخذت أسيرة في محاصرة مدينة كومبيان فأحرقت بالنار بدعوى أنها ساحرة.

وفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وألف طرد الإنكليز من أرض فرنسا بعد محاربات شديدة، وتغلب لويز الحادي عشر من سنة إحدى وستين وأربعمائة وألف إلى سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة وألف على عصبة الأعيان المتقدم ذكرهم، وأضاف إلى حكم التاج إحدى عشرة إيالة كبيرة كانت كل واحدة منها مستقلة بالتصرف، وإن كانت ولاية حكامها بيد الملك. وشرع شارل الثامن في حروب إيطاليا سنة أربع وتسعين وأربعمائة وألف ودام الحال إلى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة وألف، ثم تمادى على ذلك لويز الثاني عشر الملقب بأبي العامة حتى أفنى فيها ماله ورجاله. ومما يحكى من محاسن هذا الملك أنه كان من الفرع الثاني من العائلة الكابيسيانية، وكان الملك لابن عم له من الفرع الأول منها، فلما مات الملك خلفه ابن له صغير السن تحت حجر أحد الأعيان، فرأى الملك المشار إليه عدم استقامة الحال واضطراب أمر المملكة بسبب صغر سن الوارث، فتحرك عليه لذلك وتحزب بجماعة لافتكاك الملك لنفسه حتى آل الأمر بعد حروب بينه وبين مقدم الصبي إلى القبض عليه وسجنه بسجن حصين، وكان يشدد مع ذلك عليه وينزله في مطمورة بالسجن لئلا يتمكن من الفرار، وبقي هكذا مسجونا حتى انقرض الفرع الأول ولحقته الدولة، ولما ولي الأمر طلب منه أحزابه أن ينتقم من ذلك المقدم الذي نكل به وعذبه، ولما ألحوا عليه في ذلك أجابهم بقوله: لا يليق بشرف سلطان فرنسا أن يتنازل لأخذ الثأر على ما وقع لدوك دواورليان. فليتأمل من هذا الجواب الحسن ومن همة هذا الرجل العالية المنبئة عن كمال المروة والمعرفة بمواقع السياسة، وكيف فرق بين المرتبتين قبل الولاية وبعدها في ذات نفسه، فمن علم منه مثل هذا رآه جديرا بأن يلقب بأبي العامة.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ٤٣