اعلم أن سكان الممالك العثمانية على مقتضى كتب الجغرافيا يبلغ عددهم سبعة وثلاثين مليونا إلى أربعين، منها في قسم أوروبا ستة عشر مليونا وسبعمائة وثلاثون ألفا، وفي قسمي آسيا وأفريقية أحد وعشرون مليونا. فمن سكان قسم أوروبا أربعة ملايين وتسعمائة وخمسون ألفا من المسلمين وأحد عشر مليونا وسبعون ألفا من الإغريق والأرمن، وستمائة وأربعون ألفا من النصارى الكاثوليك وسبعون ألفا من اليهود. ومن سكان قسمي آسيا وأفريقية ستة عشر مليونا ومائة وسبعون ألفا من الإسلام، وأربعة ملايين وثمانمائة وثلاثون ألفا من الإغريق والأرمن واليهود وغيرهم. فجملة الرعايا من الإسلام واحد وعشرون مليون نفس ومائة وعشرون ألفا، وجملة الرعايا من غيرهم ستة عشر مليونا وستمائة وعشرة آلاف. وإذا نسبنا مبلغ الصنف الثاني إلى الأول واعتبرنا أنه وإن نقص عن الأول في الكمية فعنده من أسباب التمدن ما يجبر به ذلك النقص، مع وجود العلاقة الجنسية بينه وبين الدول الأوروباوية ومساعفتها له على الإلحاح في طلب المساواة في سائر المنح من الدولة العلية؛ لكونه من جملة رعاياها وأبناء وطنها لم يبق لنا توقف في تصويب ما تضمنه المنشور الثاني المتقدم آنفا، والجزم بأن سريان خلاف ذلك إلى بعض العقول القاصرة منشؤه عدم الاطلاع على ما في الخارج الملجئ إلى وجوب ارتكاب أخف الضررين.
وأما المساحة فقدر سطح أرض تلك الممالك أربعة ملايين وخمسمائة وسبعة وثلاثون ألفا وثلاثمائة كيلومتر، منها في قسم أوروبا خمسمائة واثنان وأربعون ألفا وثلاثمائة كيلومتر، والباقي في قسمي آسيا وأفريقية وهو ثلاثة ملايين وتسعمائة وخمسة وتسعون ألف كيلومتر، والكيلومتر عبارة عن ألف متر، والمتر ذراع ونصف تركيان. ثم إن الممالك العثمانية تنقسم إلى إيالات، والإيالات تنقسم إلى أعمال ألوية، وكل من أعمال الألوية ينقسم إلى أوطان قضاة، والأوطان يحتوي كل منها على بلدان وقرى، وفي مركز كل إيالة وال مكلف بإمضاء القوانين وأوامر الدولة بمثل الإعانة على استخلاص المجابي وتنزيل العسكر وغير ذلك من مصالح الدولة، وهو المكلف بحفظ راحة السكان والسعي في تنمية الفلاحة وتسهيل طرق المتجر ورفع العوائق عن سائر الصناعات وتمهيد الطرقات وبناء القناطر ونحو ذلك بمشاركة مجلس الإيالة، وهو المسئول عن سيرة متوظفي إيالته، حيث إن من مأموريته منعهم من ارتكاب ما يخالف واجباتهم وإعلام الدولة بذلك حالا، كما أن من واجباته إعانة الحكام الشرعية والمجالس العرفية. ومع هذا الوالي مجلس تحت رئاسته لفصل النوازل التي تقع بين السكان والنظر في سائر مصالح الإيالة من أعضائه الدفتر دار المكلف من الدولة بأحوال المجابي، وقاضي الإيالة مع خمسة وعشرين عضوا منتخبين من الأهالي، وقد شهد المنصفون من أهل أوروبا بحسن هذا الترتيب ولياقته بمصالح الإيالات. ثم في كل مركز عمل لواء قائم مقام تحت رئاسته مجلس تنتخب أعضاؤه من الأهالي، وتصرف هذا القائم مقام ومجلسه في العمل كتصرف الوالي ومجلسه في الإيالة، إلا أنه تحت نظر والي الإيالة. وفي كل وطن من أوطان القضاة مدير تحت رئاسته مجلس تنتخب أعضاؤه من الأهالي، وتصرف المدير ومجلسه في الوطن كتصرف القائم مقام ومجلسه في عمل اللواء، إلا أنه تحت إذنه. ثم في كل بلد أو قرية قوجه باشي أو مختار ينتخبه أهل البلد مكلف بإدارة البلد. وفي كل بلد من بلدان المملكة يوجد مجلس جنايات لفصل سائر نوازل الجنايات الواقعة بين السكان عدا ما يلزم إنهاؤها لمجلس الأحكام العدلية بالتخت، فإن عمل مجلس الجنايات المذكور فيها سماع الدعوى وتحرير الحجج، ثم إرسال جميع ذلك لمجلس الأحكام العدلية بواسطة الوالي.
كما يوجد بكل بلدة كبيرة مجلس متجري مركب من رئيس وأعضاء من الأهالي لفصل النوازل المتجرية بين رعايا الدولة، وإن كان في النازلة أجنبي يضاف لذلك المجلس أعضاء من الأجانب، وقد بلغ عدد المجالس المتجرية اثنين وخمسين مجلسا. أما المجالس العسكرية فاعلم أن الجيوش البرية بالممالك العثمانية مقسومة إلى ستة أقسام، يسمى كل منها عرضيا تحت إمارة مشير وبه مجلس لفصل نوازل العسكر وتدبير مصالح الجيش، وللدولة رجال تنتخبهم من أعيانها الموسومين بالمعرفة والنجابة والمروءة، والديانة تكلفهم بالبحث عن كيفية إجراء القوانين وسائر الإدارات الملكية والمدنية إجمالا وتفصيلا، وتفوض لهم عزل من يستوجب العزل أو سجنه أو توبيخه أو توجيهه إلى تخت المملكة، وقد نتج من هذه الخدمة مصالح مهمة من تحسين الإدارة واستقامة تصرفات الولاة والقضاة والمجالس؛ إذ المكلفون بالتفقد في الحالة الراهنة ممن لا تأخذهم فيما وكل لأمانتهم لومة لائم، وبالجملة فخدمة هاته الطائفة المكلفة بالبحث والتفقد من أهم الخدمات النافعة للإيالات خصوصا البعيدة عن دار الخلافة. (6) في بيان ما للدولة من الاعتناء بتهذيب أخلاق رعاياها من الإسلام وغيرهم بتوسيع دوائر المعارف وتسهيل طرق اكتسابها