تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا، وإن سياسة غالب الدول الأوروباوية لو كانت كما ذكرنا، لكن من الحق أن نقول في خصوص مبحث الشروط أنا رأينا عند المحادثة مع رجال بعض الدول الغربية منها أنهم يسلمون عدم لياقة تلك الشروط بهذا الوقت، ولا يمتنعون من تبديلها بما يناسب، لكنهم يطلبون منا قبل ذلك إعطاء الضمانة الكافية في حفظ حقوق رعاياهم، بترتيب مجالس للحكم وتمشيتها مدة من الزمان حتى يثبت عندهم بالتجارب حسن إجراء الأحكام، بحيث يتيسر لهم تسليم رعاياهم على التدريج بحسب ما يرونه من نجاح التراتيب حتى يتم دخولهم تحت أحكامنا. ونحن نقول: لما كان بقاء الأجانب على ما هو مشاهد اليوم مضرا بالممالك الإسلامية، والدول الأوروباوية لا تساعف على تبديل الشروط إلا بما ذكرناه، وجب على الدول الإسلامية السعي في إزالة هذا الضرر بإعطاء تلك الضمانة وإبرازها للخارج. ومن العوائق للتنظيمات، وهو أعظمها، تعرض بعض المتوظفين في تأسيسها وإجرائها لما لهم في تعطيلها من المصالح الخصوصية، التي منها دوام تصرفاتهم في الخطط بلا قيد ولا احتساب. هذا، وإن الأمة الإسلامية لما كانت مقيدة في أفعالها الدينية والدنيوية بالشرع السماوي والحدود الإلهية الواردة على الميزان الأعدل، المتكفلة بمصالح الدارين، وكانت ثمة مصالح تمس الحاجة إليها، بل تتنزل منزلة الضرورة، يحصل بها استقامة أمورهم وانتظام شئونهم، لا يشهد لها من الشرع أصل خاص، كما لا يشهد بردها، بل أصول الشريعة تقتضيها إجمالا وتلاحظها بعين الاعتبار، فالجري على مقتضيات مصالح الأمة والعمل بها حتى تحسن أحوالهم، ويحرزون قصب السبق في مضمار التقدم، متوقف على الاجتماع وانتظام طائفة من الأمة ملتئمة من حملة الشريعة ورجال عارفين بالسياسات ومصالح الأمة، متبصرين في الأحوال الداخلية والخارجية ومناشئ الضرر والنفع، يتعاون مجموع هؤلاء على نفع الأمة بجلب مصالحها ودرء مفاسدها، بحيث يكون الجميع كالشخص الواحد، كما قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.» وكما قال

صلى الله عليه وسلم : المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد.

فرجال السياسة يدركون المصالح ومناشئ الضرر، والعلماء يطبقون العمل بمقتضاها على أصول الشريعة، وأنت إذا أحطت خبرا بما قررناه علمت أن مخالطة العلماء لرجال السياسة بقصد التعاضد على المقصد المذكور من أهم الواجبات شرعا لعموم المصلحة، وشدة مدخلية الخلطة المذكورة في اطلاع العلماء على الحوادث التي تتوقف إدارة الشريعة على معرفتها. ومعلوم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبيان ذلك أن إدارة أحكام الشريعة كما تتوقف على العلم بالنصوص تتوقف على معرفة الأحوال التي تعتبر في تنزيل تلك النصوص، فالعالم إذا اختار العزلة والبعد عن أرباب السياسة، فقد سد عن نفسه أبواب معرفة الأحوال المشار إليها، وفتح أبواب الجور للولاة؛ لأنهم إذا استعانوا به فامتنع صاروا يتصرفون بلا قيد. نعم يعاب على العالم شرعا وعقلا التكلف في الدين والتمحل في النصوص الظاهرة في خلاف ما أراد منها، وارتكاب الأقوال الضعيفة؛ ليوافق الأهوية والأغراض، لا لأجل مصالح تتنزل منزلة الحاجة والضرورة حتى ينقلب ذلك الضعيف قويا. وحيث كانت إدارة المصالح السياسية مما لا يتيسر لغالب الولاة إجراؤها على الأصول الشرعية لأسباب شتى يطول شرحها، وتقدمت الأدلة على ما يترتب على إبقاء تصرفاتهم بلا قيد من المضار الفادحة؛ رأينا أن العلماء الهداة جديرون بالتبصر في سياسة أوطانهم واعتبار الخلل الواقع في أحوالها الداخلية والخارجية، وإعانة أرباب السياسة بترتيب تنظيمات منسوجة على منوال الشريعة، معتبرين فيها من المصالح أخفها، ومن المضار اللازمة أخفها، ملاحظين فيما يبنونه على الأصول الشرعية أو يلحقونه بفروعها المرعية، ذلك المقال الوجيز المنسوب لعمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بحسب ما أحدثوه من الفجور، وما في معناه من أدلة أن الشريعة لا تنسخها تقلبات الدهور.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٦