تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم بما وقع من الحوادث سنة أربع عشرة وثمانمائة وألف والتي بعدها تغيرت تلك المعاهدة وتبدلت بمعاهدة جديدة بين ثلاث وثلاثين دولة تلقبت بمعاهدة جرمانيا تحت رئاسة إمبراطور النمسة، وبالحرب التي وقعت بين البروسية والنمسة سنة ست وستين وثمانمائة وألف انحلت المعاهدة المذكورة، وأسست دولة بروسية الظافرة في هاته الحرب معاهدة أخرى لقبتها بمعاهدة ألمانيا الشمالية، وجعلتها تحت رئاستها وأدخلت فيها جميع الممالك التي كانت داخلة في المعاهدة التي قبلها ما عدا مملكة باواريا والفورتمبرغ وإمارة بادن وليختنستين والممالك التي كانت تابعة للنمسة وداخلة في المعاهدة وهولاندة، وأسست لتلك المعاهدة كونستيتوسيونا بمحضر البارلمان الألماني أي مجلس نواب العامة من تلك الدول المتحدة، وبمحضر المجالس الخصوصية بها، وذلك سنة سبع وستين وثمانمائة وألف. (2) في قانون المعاهدة

محصل الكونستيتوسيون المشار إليه آنفا ما معناه أن المقصود من هذه المعاهدة هو حماية حقوق الممالك الداخلة فيها وإبقاء قوانينها وتحسين حالة أمة الألمان، وأن رئاسة الدول المتعاهدة من حقوق تاج بروسية فقط، وأن ترتيب القوانين العمومية لهذه الدول يكون بواسطة المجلس المشترك الذي هو فيها بمثابة مجلس الدولة في غيرها، وبواسطة بارلمان المعاهدة، ولأعضاء المجلس المشترك أصوات بقدر قوة ممالكهم، حتى إن بروسية بما أضافت لها من الممالك صار لها سبعة عشر صوتا وبقي لما عداها من سائر الدول ستة وعشرون، ولكل نائب دولة من الدول المذكورة أن يحضر في البارلمان ولو بدون موافقة أعضاء المجلس، ويسمع كلامه فيما يدافع به عن رأي دولته، وإذا وقعت مخالفة بين أعضاء المجلس في تغيير القوانين التي تتعلق بالقوة البحرية أو البرية؛ فإن الجهة التي معها صوت الدولة الرئيسة تترجح على مقابلتها إذا كان الرأي إبقاء الحال على ما كانت عليه، وأعضاء البارلمان تسميهم أهالي الممالك، وكلفته استنباط القوانين العمومية، وله أن يقبل الشكايات وعرض الحال، ومدة خدمته ثلاث سنين ولا يغلق قبل استيفائها إلا بموافقة مجلس النواب والدولة الرئيسة، وإذا وقع ذلك فلا بد أن يجتمع المنتخبون من الأهالي في ظرف ستين يوما لينتخبوا أعضاء مجلس جديد يجتمع عند تمام تسعين يوما من يوم الإغلاق، وينتخب البارلمان رئيسه والنواب عنه والكتاب ويمضي الأمور بموافقة الأكثر.

وأما مباشرة الدول الأجنبية فيما يتعلق بخلطتها مع دول المعاهدة فلا تكون إلا للدولة الرئيسة، فهي التي تنشئ الحرب وتعقد شروط الصلح والمعاهدات وغير ذلك مع الأجانب، وترسل السفراء السياسية بالنيابة عن جميع تلك الدول، وهي التي تجمع مجلس النواب والبارلمان كل سنة وتفتح المجلس وتغلقه، وتعرض على البارلمان ما اتفق عليه مجلس النواب، ويبعث المجلس بعض الأعضاء أو مكلفا خصوصيا للمدافعة، وتعلن القوانين وتمضي عليها وتسمي المتوظفين في الخطط العمومية وتأخرهم إن استوجبوا التأخير، ويرأس ملك بروسية الذي هو أمير جيوش العصبة الألمانية في الحرب القوة البحرية والبرية المعدودة جندا واحدا في حالة السلم والحرب، ويتسع تصرفه في القوة البحرية بحيث يولي الضباط بها والمتوظفين بخططهم ويؤخرهم، وقد وقع اتفاق العصبة المذكورة من هذا التاريخ إلى آخر سنة إحدى وسبعين وثمانمائة وألف على أن تكون قوة الجند في حالة الصلح بحساب واحد على المائة من السكان تقريبا، وأن جميع القوانين العسكرية الموجودة في بروسية تمضي على جميع عساكر الممالك المتعاهدة، وإذا أرادت مملكة أجنبية الدخول في المعاهدة فلا يكون ذلك إلا بواسطة الدولة الرئيسة وبمقتضى قانون المعاهدة.

والحاصل أن مجلس نواب الدول ومجلس وكلاء العامة بالممالك المتحدة كلاهما ينظر في المصالح العمومية لتلك الدول تحت رئاسة دولة بروسية المستقلة كما تقدم، بما يتعلق بالأحوال الخارجية من عمل الحرب وعقد الشروط وغير ذلك بالنيابة عن جميع تلك الدول، وإن كانت كل واحدة منها لها استقلال تام في أحوالها الداخلية، فعندها مجالس وإدارات بتراتيب تخصها بحسب ما يليق بحالها. والمقصود من هذا الاتحاد أمران؛ الأول: حماية هذه الدول بعضها من بعض بحيث لا تتعدى واحدة منها على الأخرى ولو كانت أضعف منها، والثاني: حمايتها من الدول المجاورة لها ولو كانت في غاية القوة لما تراه من الشوكة لمجموعها التي لا تحصل لكل واحدة منها بانفرادها. فظهر بهذا أن كل واحدة من هذه الدول وإن فاتها شيء من حقوقها كمباشرتها للدول الأجنبية، فقد حصل لها من الطمأنينة التامة بسبب الاتحاد المذكور الحامي لاستقلالها، ما يوازي أضعاف ما فاتها من تلك الحقوق الحاصلة لها على فرض عدم دخولها في المعاهدة وتعرضها للأخطار؛ ولذلك لم يقع من واحدة منها توقف في هذا الأمر الذي من تبصر فيه يراه من أحكم السياسات النافعة في بقاء استقلال الدول الصغيرة التي تهتدي إليه وتبني قواعدها عليه؛ لأن قوة الجميع ليست كقوة المجموع كما قال الحكيم العربي:

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٠٧