تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تألق البرق نجديا فقلت له

يا أيها البرق إني عنك مشغول

فغنته، فقال له يزيد: قل. فقال: يا مولاي، تأمر لي برطل شراب؟ فأمر له به، فما استتم شربه حتى وثب وصعد على أعلى قبة ليزيد، فرمى نفسه على دماغه فمات. فقال يزيد: إنا لله وإنا إليه راجعون، أتراه الأحمق الجاهل، ظن أني أخرج إليه جاريتي وأردها إلى ملكي، يا غلمان خذوها بيدها واحملوها إلى أهله إن كان له أهل، وإلا فبيعوها وتصدقوا عنه بثمنها. فانطلقوا بها إلى أهله، فلما توسطت الدار نظرت إلى حفيرة في وسط دار يزيد قد أعدت للمطر، فجذبت نفسها من أيديهم وأنشدت:

من مات عشقا فليمت هكذا

لا خير في عشق بلا موت

فألقت نفسها في الحفيرة، فماتت. قال الجاحظ: فسري عن محمد وأجزل صلتي.

| كتبه

الجاحظ من أقدم المؤلفين وأكثرهم تصانيف في كل فن وعلم كان معروفا لزمانه، بل يمكن أن يقال إنه هو الذي شرع التأليف في الأدب. وكتبه تجمع إلى العلم والفائدة البراعة في التعبير وسحر البلاغة في الأسلوب، وتبعث الشوق على المطالعة لما فيها من النوادر والنكات الشائعة فيها، وهي سنة المؤلفين من بعده، بها اقتدوا وعلى سبيلها نهجوا، ولولاها لفقد كثير من آداب العرب، ولا تزال في غزارة المادة المرجع والأم، ولولا عدم تنسيقها لما فضلها كتاب.

كان أبو محمد عبد الله بن حمود الزبيدي الأندلسي يقول: رضيت في الجنة بكتب الجاحظ عوضا عن نعيمها.

وقال أبو القاسم السيرافي: حضرنا مجلس الأستاذ الرئيس أبي الفضل (ابن العميد)، فقصر رجل بالجاحظ وأزرى عليه، وحلم الأستاذ عنه، فلما خرج قلت له: سكت أيها الأستاذ عن هذا الجاهل في قوله مع عادتك بالرد على أمثاله. فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله، ولو واقفته وبينت له النظر في كتبه لصار إنسانا، يا أبا القاسم، كتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانيا.

وقال أبو علي الحسن بن داود: فخر أهل البصرة بأربعة كتب: كتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب الحيوان له، وكتاب سيبويه، وكتاب العين للخليل.

وقد بلغ شغف الناس بكتب الجاحظ وتهافتهم عليها أن أبا بكر بن الإخشاد أراد أن يطلع على كتاب الفرق بين النبي والمتنبي فلم يظفر به، فلما دخل مكة حاجا أقام مناديا بعرفات ينادي: رحم الله من دلنا على كتاب الفرق بين النبي والمتنبي على أي وجه كان.

أما مؤلفات الجاحظ فتعد بالمئات، ورد في مقدمة كتاب التاج أن الجاحظ ترك نحوا من ثلاثمائة وستين مؤلفا، رآها سبط ابن الجوزي كلها تقريبا في مشهد أبي حنيفة النعمان ببغداد.

أما نحن، فنتكلم الآن على ما طبع منها، وهو قليل جدا، ثم نذكر أسماء ما اتصل بنا من كتبه التي لم تطبع.

كتبه المطبوعة (1)

البيان والتبيين: أحد أركان كتب الأدب وأقدمها، أهداه الجاحظ إلى ابن أبي داود فأعطاه خمسة آلاف دينار. والكتاب يبحث في فنون الأدب والبلاغة نثرا ونظما، ويتناول النقد واللغة، ويأتي على ذكر الأدباء والخطباء والمنشئين والشعراء، ويمثل بنماذج من أقوالهم. وفيه طائفة صالحة من كلام النبي والخلفاء والصالحين والزهاد والنساك وفصحاء الخوارج، وما يقابل ذلك من كلام اللحانين والنوكى والموسوسين والجفاة والأغبياء، إلى أحاديث ونوادر مبثوثة في الكتاب. وهو من أجل وثائق الأدب العربي في الجاهلية والإسلام، وكل من ألف بعده في الأدب نهج على منواله على ما فيه من نقص في التنسيق. (2)

كتاب الحيوان: أهداه إلى الوزير محمد بن عبد الملك الزيات، فأعطاه خمسة آلاف دينار. وهو أول كتاب ألف في موضوعه يدخل في سبعة أجزاء، ويبحث عن طبائع الحيوان وما ورد فيه من الأخبار والقصص والنوادر والخرافات والفكاهة والمجون، وما قالته العرب فيه من الشعر، فضلا عما اختبره المؤلف بنفسه. وفي الكتاب استطرادات كثيرة يسوقها المؤلف لأدنى مناسبة، فينتقل بالقارئ من موضوع إلى آخر، وكثيرا ما تتسلسل المناسبات حتى يخرج عن الصدد، ولكن القارئ يقف في أثناء ذلك على أخبار ممتعة وفوائد قيمة تمثل له المعارف الإسلامية وما بلغته في القرن الثالث؛ فهناك أشعار الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين والمحدثين، وهناك تفسير كثير من آي القرآن والحديث، وهناك آراء المتكلمين ومذاهب الفرق الإسلامية، وهناك شبه الملحدين والزنادقة والرد عليهم، أضف إلى ذلك معارف الهنود واليونان والفرس مما ترجمه العرب ومما تسوق إليه المناسبة في ذلك الكتاب، فضلا عن أنه يصور كثيرا من وجوه الحياة في القرن الثالث. (3)

الجاحظ: أئمة الأدب (الجزء الأول) · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجاحظ: أئمة الأدب (الجزء الأول)ص ٩